شاهدنا فيديو لشيخ على يوتيوب، بأن الخمر حلال عند النصارى، ويتحدث فيه عن عورة المرأة الأَمَة والحرّة والتمييز بينهما، وطواف النبِيّ صلَّى الله عليه وسلَّم على نسائه، ويدَّعي أن علماء الشريعة يخفون بعض المسائل الشرعية

الفتوى رقم 4103  السؤال: السلام عليكم، شاهدنا فيديو لشيخ على يوتيوب، بأن الخمر حلال عند النصارى، ويتحدث فيه عن عورة المرأة الأَمَة والحرّة والتمييز بينهما، وطواف النبِيّ صلَّى الله عليه وسلَّم على نسائه، ويدَّعي أن علماء الشريعة يخفون بعض المسائل الشرعية، فما رأيكم فيه؟

الجواب، وبالله تعالى التوفيق:

بالنسبة لـحِلِّ الخمر والخنزير في كلامه، فالمقصود به ما يَدِين به نصارى اليوم، وليس ما عليه شريعة عيسى عليه السلام. وأما بقية المسائل التي ذكرها فهي كذبٌ محض، فعجيب أمر هذا الرجل! كيف يفتري ويكذب على الإسلام! وعلى علماء الشريعة! فكلامه أن علماء الدين يخفون الكثير من المسائل  كذبٌ صريح! وكيف يخفونها وقد ذكروها في كتبهم، فهذا تناقض واضح، فلو كان صادقاً لذكر اسم العالم، وكتابه، والجزء والصفحة.

أما ذكره لمسألة عورة الجارية (الأَمَة) فهي مسألة اختلف فيها الفقهاء ولم يتفقوا على أن عورة الأمة غير عورة الحرة، فقد جاء في “الموسوعة الفقهية” (31/49-50): “اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي عَوْرَةِ الأْمَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلرَّجُل الأْجْنَبِيِّ :فَقَال الْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ الأْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنَّ عَوْرَتَهَا هِيَ مَا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا .وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: عَوْرَتُهَا مِثْلُ عَوْرَةِ الْحُرَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِمَحَارِمِهَا (أي تُظهر ما تُظهره الحرَّةُ لمحارمها، كالوجه والرأس ونحو ذلك). وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ عَوْرَتَهَا كَعَوْرَةِ الْحُرَّةِ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا إِلاَّ مَا يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَيْهِ مِنَ الْحُرَّةِ”. انتهى. لكنَّ جهل هذا الرجل بالفقه وكلامِ أهل العلم أوقعه في مغالطاته تلك، وأظهر تحامُلَه على الإسلام وعلى علماء الشريعة.

ومعلوم أيضاً في الفقه الإسلامي، أن كون الموضع غير عورة فهذا لا يعني جواز كشفها على الإطلاق، بل نصَّ الفقهاء جميعهم على وجوب ستر ما يؤدي إلى الفتنة، حتى بالنسبة  للرجل وليس المرأة فقط، وليس فقط الستر بل حتى وقوع النظر، إن كان يؤدي إلى فتنة فممنوع. وبالنسبة للجارية –الأَمة- فالمقصود في اعتبار عورتها ما بين السرة والركبة، هو التيسير ورفع الحرج والمشقة،فالإماء تكثرُ إليهنّ الحاجة في الاستخدام وأمورِ المهنة والخدمة، فاعتبار كلِّ جسدها عورة يؤدي إلى حرج شديد عليها. يقول العلّامة ابن القيِّم -رحمه الله تعالى- في كتابه “إعلام الموقِّعين عن ربّ العالمين” (2/47): “وأما تحريم النظر إلى العجوز الحرَّة الشوهاء القبيحة وإباحتُه إلى الأَمة البارعة الجمال! فكذِب على الشارع، فأين حَرَّم الله هذا وأباح هذا؟ والله سبحانه إنما قال: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِيْنَ يَغُضُّوْا مِنْ أَبْصَاْرِهِمْ) [سورة النور الآية: 30]، لم يُطلق الله ورسوله للأعين النظر إلى الإماء البارعات الجمال، وإذا خشي الفتنة بالنظر إلى الأَمة حَرُم عليه بلا ريب، وإنما نشأت الشبهة أن الشارع شرع للحرائر أن يسترن وجوههنّ عن الأجانب، وأما الإماء فلم يوجب عليهنّ ذلك، لكن هذا في إماء الاستخدام والابتذال، وأما إماء التسري اللاتي جرت العادة بصونهنّ وحجبهنّ فأين أباح الله ورسوله لهن أن يكشفن وجوههنّ في الأسواق والطرقات ومجامع الناس، وأَذِن للرجال في التمتع بالنظر إليهنّ؟! فهذا غلط محض على الشريعة، وأكد هذا الغلط أن بعض الفقهاء، سُمِع قولُهم: إن الحرة كلَّها عورة إلا وجهها وكفيها، وعورة الأمة ما لا يظهر غالباً  كالبطن والظهر والساق، فظن أن ما يظهر غالباً حكمه حكم وجه الرجل، وهذا إنما هو في الصلاة لا في النظر، فإن العورة عورتان: عورة في النظر وعورة في الصلاة، فالحرة لها أن تصلّيَ مكشوفة الوجه والكفين، وليس لها أن تخرج في الأسواق ومجامع الناس كذلك”. انتهى.

ولا أدري ما المشكلة في أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يربط حجرَيْن على بطنه بقضية قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: “يُطعمني الله ويَسقين“. فلا تعارض بين الأمرين؛ فكلامه صلَّى الله عليه وسلَّم: “أبيت عند ربي يُطعمني ويَسقين” جاء في معرض حكم وصال الصوم، والحديث في صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه، أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: “لا تواصلوا، قالوا: إنك تواصل؟ قال: لستُ كأحد منكم، إني أُطْعَمُ وأُسْقَى، أو إني أبيت أُطْعَمُ وأُسْقَى“. وفي رواية لمسلمٍ في صحيحه عن أبي هريرةَ رضي الله عنه، أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: “إيَّاكُم والوِصال، قالوا: فإنَّك تواصِل يا رسول الله! قال: إنَّكم لستُمْ في ذلك مثلي، إنّي أبِيتُ يُطْعِمُني ربِّي ويَسقيني، فاكلفوا من الأعمال ما تُطيقون”. قال الحافظ ابن حجر العسقلانيُّ في “فتح الباري شرح صحيح البخاري”: “قال الجمهور قوله: (يُطعمني ويَسقين) مَجاز عن لازم الطعام والشراب وهو القوة، فكأنه قال: يعطيني قوة الآكل والشارب، ويفيض عليَّ ما يسدُّ مسدَّ الطعام والشراب، ويقوِّي على أنواع الطاعة من غير ضعف في القوة ولا كلال في الإحساس. أو المعنى: إن الله يخلق فيه من الشِّبَع والرِّيّ ما يُغنيه عن الطعام والشراب فلا يُحِسُّ بجوع ولا عطش، والفرق بينه وبين الأول أنه على الأول يُعْطَىَ القوة من غير شِبَع ولا رِيٍّ مع الجوع والظمأ، وعلى الثاني يُعْطىَ القوة مع الشِّبَع والرِّيّ، ورُجِّح الأولُ بأن الثاني ينافي حال الصائم ويفوِّت المقصودَ من الصيام والوصال؛ لأن الجوع هو روح هذه العبادة بخصوصها”. انتهى.

وقال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره عند ذكر آية الصوم في سورة البقرة: “قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: “إني لست كهيئتكم، إني يُطعمني ربي ويَسقين”: والأظهر أن ذلك الطعام والشراب في حقه إنما كان معنويّاً لا حِسِّيَّاً”. انتهى.

أما ما ذكره في مسألة طواف النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم على نسائه، فلا أدري ما وجه الإشكال فيه، ولا أدري لماذا أتى بهذا الكلام! إلا إذا بلغ منه الحال أن يتجرأ على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، أم أنه يريد أن يكذّب هذا الحديث! فالحديث ثابت عند البخاري في صحيحه وغيره، من رواية أنسٍ رضي الله عنه: “أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كانَ يَطُوفُ علَى نِسائِهِ في اللَّيْلَةِ الواحِدَةِ، وله يَومَئذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ”.

ومعلوم لدى كثير من المسلمين، فضلاً عن طلبة العلم والعلماء، أن سيَّدنا محمّدًا رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد خصّه الله تعالى بخصائصَ ليست لأحدٍ غيره، منها أنه أُوتي قوةَ ثلاثين من الرجال في هذا الباب، فأين الخلل في هذا، وما المشكلة في ذلك؟! ففي حديث الإمام أحمدَ في مسنده من حديث عروة، قال: “دَخَلَتْ امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ -أَحْسِبُ اسْمَهَا خَوْلَةَ بِنْتَ حَكِيمٍ- عَلَى عَائِشَةَ وَهِيَ بَاذَّةُ الْهَيْئَةِ فَسَأَلتهَا مَا شَأْنُكِ؟ فَقَالَتْ: زَوْجِي يَقُومُ اللَّيْلَ، وَيَصُومُ النَّهَارَ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ ذَلِكَ لَهُ، فَلَقِيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُثْمَانَ فَقَالَ: يَا عُثْمَانُ إِنَّ الرَّهْبَانِيَّةَ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْنَا، أَفَمَا لَكَ فِيَّ أُسْوَةٌ، فَوَاللهِ إِنِّي أَخْشَاكُمْ لِلَّه، وَأَحْفَظُكُمْ لِحُدُودِهِ”. قال الحافظ ابن حجر العسقلانيُّ -رحمه الله-  في “فتح الباري” (1/377): “قَوْلُهُ ” فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ ” الْمُرَادُ بِهَا قَدْرٌ مِنَ الزَّمَاِن، لَا مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ الْهَيْئَةِ”. انتهى.

وننبِّه السائل: إلى أن أمثال هؤلاء ينبغي التحذير من السماع لهم، لما في كلامهم من الشبهات التي تشوِّش على المسلم أمرَ دينه، مع التنبيه على أنه يجب على المسلم أن يتعلَّم ما يثبِّت عقيدته ويدفع عنه الوقوع في شبهات هؤلاء. أسأل الله لنا جميعاً الثبات على الحقّ. والله تعالى أعلم.

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *