قول العلماء في المعازف

الفتوى رقم 3643 السؤال: السلام عليكم، ما حكم المعازف، وهل في حكمها اختلاف بين العلماء؟


الجواب، وبالله تعالى التوفيق:

بالنسبة للحكم الشرعيُّ للمعازف؛ فالمعتمد والـمُفتَى به في المذاهب الفقهية الأربعة المعتبرة -الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة- وهو المنقول والــمُثبَت في الكتب المعتمدة عندهم: أن المعازف منها ما هو حرام وهي الآلات الوَتَريَّة وآلات النفخ، ومنها: ما هو مباح كالدُّف.

قال الفقيه المحقِّق ابن حجر الهيتميُّ الشافعيُّ -رحمه الله- في كتابه “كفّ الرَّعاع عن محرَّمات اللهو والسماع” (ص:118): “الأوتار والمعازف، كالطُّنْبُور والعُود والصَّنْج.. وغير ذلك من الآلات المشهورة عند أهل اللهو والسَّفاهة والفُسوق، وهذه كلُّها محرَّمة بلا خِلاف، ومَن حكى فيه خلافًا فقد غلط أو غلب عليه هَواه، حتى أصمَّه وأعماه، ومنعه هداه، وزلَّ به عن سَنن تَقواه. وممَّن حكى الإجماعَ على تحريم ذلك كلِّه: الإمامُ أبو العباس القرطبي، وهو الثقة العدل، فإنَّه قال -كما نقَلَه عن أئمَّتنا وأقرُّوه-: أمَّا الـمَزَامِير والكُوبَة -الدربكة- فلا يُختَلف فِي تحريم سماعها، ولم أسمعْ عن أحدٍ ممَّن يُعتَبر قولُه من السلف، وأئمَّة الخلف مَن يبيح ذلك، وكيف لا يُحرَّم وهو شعار أهل الخمور والفسوق، ومهيِّج للشهوات والفساد والمجون، وما كان كذلك لم يُشَكَّ فِي تحريمه ولا فِي تفسيق فاعله وتأثيمه.

وممَّن نقل الإجماعَ على ذلك أيضًا إمامُ أصحابنا المتأخِّرين أبو الفتح سُلَيْمُ بنُ أَيُّوبَ الرازيُّ، فإنَّه قال فِي “تقريبه” بعد أنْ أورد حديثًا فِي تحريم الكُوبَة، وفي حديث آخر: “أنَّ اللهَ يَغفِرُ لكلِّ مذنبٍ إلا صاحب عَرطَبة أو كُوبة”، والعَرطَبة: العُود، ومع هذا فإنَّه إجماع”. انتهى.


وممن حكى الإجماع -أي الاتفاق- أيضًا الفقيهُ المحدِّث أبو الحسين البغويُّ الشافعيُّ -رحمه الله تعالى- في كتابه “شرح السُّنَّة” (12/383) فإنه قال: “وَاتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيم الـمَزَامير والملاهي وَالْمَعَازِف”. انتهى.


وقال الفقيه الحنبليُّ ابن قدامة -رحمه الله- في كتابه “المغني” (9/132): “آلَةُ اللَّهْوِ كَالطُّنْبُورِ، وَالْمِزْمَارِ، وَالشَّبَّابَةِ… آلَةٌ لِلْمَعْصِيَةِ، بِالْإِجْمَاعِ”. انتهى.


وقد وردت أحاديثُ في السُّنَّة النبويَّة تبيِّن حُرمة الاستماع إلى المعازف منها: أن النبيَّ ﷺ قال: “ليكونَنَّ من أُمَّتي أقوام يَسْتَحِلُّون الحِرَ (الزنا، استحلال الفَرْج)، والحرير، والخمر، والمعازف” رواه أبو داود، وأصله في البخاريّ. ومنها: قول النبيِّ ﷺ: “صوتان ملعونان: صوتُ مزمارٍ عند نعمة، وصوتُ ويلٍ عند مصيبة“. حسَّنه الحافظ المقدسيُّ في المختارة. وفي رواية عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: “صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: مزمار عند نعمة، ورَنَّةٌ عند مصيبة“، قال الهيثميُّ في مجمع الزوائد: “رواه البزَّار ورجاله ثقات”. ومنها: ما رواه أبو داودَ وأحمدُ وغيرُهما، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن رسول الله ﷺ قال: “إنّ الله حرَّم عليَّ –أو حرَّم– الخمر والميسر، والكُوبة، وكلُّ مُسْكِرٍ حرام”. وفي رواية: “إنّ الله حرَّم عليكم“.

وذهب البعض كابن حزم الأندلسيِّ الظاهريِّ -رحمه الله تعالى- إلى جواز المعازف، وتبعه بعض علماء عصرنا، لكنَّ هذا القول لا يُعتَدُّ به لضعف الأدلة التي استدلُّوا بها.


وعليه: فالحكم كما بيَّنَّا.

والله تعالى أعلم.

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *