ما حكم رجم الزانية والزاني؟ وكيف يرضى رسول الله ﷺ بالرجم وهو خير خلق الله؟
الفتوى رقم 3357 السؤال: السلام عليكم، ما حكم رجم الزانية والزاني؟ وكيف يرضى رسول الله ﷺ بالرجم وهو خير خلق الله؟
الجواب، وبالله تعالى التوفيق:
بدايةً، فقد ثبت حدُّ الرجم للزاني للمُحصَن وكذا الزانية المحصَنة بالكتاب والسُّنَّة وإجماع أهل السُّنة والجماعة، ولم يُنْقل أو يُعرف عن أحد من الصحابة أو التابعين أو أحد من أهل السُّنَّة والجماعة أنه أنكره، وإنما نُقل ذلك عن الخوارج وبعض المعتزلة قديمًا. قال الفقيه ابن قدامة الحنبلي -رحمه الله تعالى- في “المغني” (9 / 39): “وهذا قول عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين ومَن بعدَهم من علماء الأمصار في جميع الأعصار، ولا نعلم فيه مخالفًا إلا الخوارج”. وقال :”ثبت الرجم عن رسول الله ﷺ بقوله وفعله في أخبار تشبه المتواتر، وأجمع عليه أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلم”. انتهى.
فمِن أدلَّة الرجم ما ثبت عن رسول الله ﷺ بقوله وفعله في أخبار تشبه المتواتر، وأجمع عليه أصحاب رسول الله ﷺ، وقد أنزله الله تعالى في كتابه وإنما نُسخت قراءته دون حكمه، روى البخاريُّ ومسلم في صحيحَيْهما عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن عمر بن الخطاب صعد المنبر فخطب الجمعة، وكان مما قال رضي الله عنه: “إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْحَقّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَرَأْنَاهَا، وَعَقَلْنَاهَا، وَوَعَيْنَاهَا، رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: وَاللَّهِ مَا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ، وَالرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أُحْصِنَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الْحَبَلُ، أَوْ الِاعْتِرَافُ”. وفي رواية أبي داود: “وَايْمُ اللَّهِ، لَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ: زَادَ عُمَرُ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، لَكَتَبْتُهَا”.
وروى ابن ماجه في سننه عن السيدة عائشةَ رضي الله عنها قالت: “لقد نزلت آية الرجم، وكانت في صحيفة تحت سريري”. وروى الإمام أحمد في مسنده عن سيدنا عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه إثباتَها. وذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمه الله تعالى- في كتابه “فتح الباري شرح صحيح البخاري”: “أنه ورد إثبات هذه الآية عن أُبَيِّ بن كعب وزيد بن ثابت رضي الله عنهما. وقد أثبت عمر رضي الله عنه هذه الآية على المنبر في خُطبة الجمعة، وكان حاضراً في تلك الخطبة علماء الصحابة وفقهاؤهم وكبراؤهم، وأقرُّوه على إثبات هذه الآية، ولم ينكر عليه أحد منهم”.
ومن الأدلة ما أخرجه البخاريُّ عن جابر رضي الله عنه: “أن رجلاً مِن أَسْلَم أتىَ النبيَّ ﷺ وهو في المسجد فقال: إنه قد زنى فأعرض عنه فتنحَّى لشِقِّه الذي أعرض قِبَلَه، فشهد على نفسه أربع شهادات، فدعاه فقال: هل بك جنون؟ هل أُحْصِنْتَ؟ قال: نعم، فأمر به أن يُرْجَمَ بالمصلَّى -وهو مصلَّى الجنائز في مقبرة البقيع-، فلما أَذْلَقَتْهُ الحجارةُ جَمَزَ -أي وثب وهرب- حتى أُدرك بالـحَرَّةِ -موضع معروف شمال المدينة- فقُتِل”. ومنها: ما رواه البخاريُّ في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: “لما أتى ماعزُ بن مالكٍ النبيَّ ﷺ قال له: لعلَّك قبَّلت أو غمزت أو نظرت، قال: لا، يا رسول الله، قال: أَنِكْتَها! -لا يُكَنِّي-، قال: نعم، قال: فعند ذلك أمر برجمه”. ومنها ما أخرجه مسلم في صحيحه عن عبادةَ بن الصامتِ رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: “خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر؛ جلدُ مائةٍ ونَفْيُ سَنَة، والثيِّب بالثيِّب؛ جلد مائة والرَّجم”.
ومنها ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرةَ وزيد بن خالد الجهني رضي الله عنهما، قال رسول الله ﷺ: “واغْدُ يا أُنَيْسُ -هو رجل من قبيلة بني أَسْلَم- على امرأة هذا، فإن اعْتَرَفَتْ فارجمها، قال: فغدا عليها فاعترفت، فأمر بها رسول الله ﷺ فرُجمت”. والأحاديث كثيرة.
كيف يرضى رسول الله ﷺ بالرَّجم؟
وأما كيف يرضى رسول الله ﷺ بالرَّجم، فكيف لا يرضى وقد أوحى الله إليه ذلك، وهو ما ثبت بالأدلة التي ذكرناها. ودعوى عِظَم هذه العقوبة، إنما هو لخطورتها وأضرارها المدمِّرة للمجتمعات خاصة اختلاط الأنساب. قال العلَّامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتابه “أعلام الموقِّعين” (2/110) في تقرير الحكمة التي لأجلها شُرع حدُّ الرَّجم: “أما الزاني فإنه يزني بجميع بدنه، والتلذُّذ بقضاء شهوته يعمّ البدن، والغالب من فعله وقوعه برضا الـمَزْنِّيِ بها فهو غير خائف ما يخافه السارق من الطلب فعُوقب بما يَعُمُّ بدنه من الجلد مرة والقتل بالحجارة مرة، ولـمَّا كان الزنا من أمَّهات الجرائم وكبائر المعاصي لِما فيه من اختلاط الأنساب الذي يَبطل معه التعارف والتناصر على إحياء الدِّين، وفي هذا إهلاك الحرث والنَّسل، فشَاكل في معانيه أو في أكثرها القتلَ، الذي فيه هلاك ذلك، فزُجر عنه بالقصاص ليرتدع مِنْ مثل فعلِه مَنْ يَهُمُّ به، فيعود ذلك بعمارة الدنيا وصلاح العالم الموصل إلى إقامة العبادات الموصلة إلى نعيم الآخرة”. انتهى.
والواجب على المسلم أن يستسلم لما قضى اللهُ ورسوله، وقد قال الله تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [سورة النساء الآية: 65].
وننبِّه إلى أن إثبات الزنا يحتاج إلى شروط يصعب تحقُّقها إلا لمجاهر به، والتي منها أربعة شهود من الرجال، وأنهم رأَوْا ذلك بالعين -يعني كالـمِيل يدخل في المِكْحَلة-. فهذه الشروط لا شكَّ في أنه يصعب تحقُّقها إلا لمن تجرَّأ على انتهاك الحرمات جهاراً نهاراً، لذلك فإنَّ الرجم لم يثبت في زمن رسول الله ﷺ وزمن الصحابة رضي الله عنهم إلا نادرًا، وبإقرارٍ من الزاني.
والله تعالى أعلم.








