هل يجوز لمريض السرطان أن يتناول “زيت الحشيشة”؟
الفتوى رقم 3044 السؤال: السلام عليكم، هل يجوز لمريض السرطان أن يتناول “زيت الحشيشة”؟
الجواب، وبالله تعالى التوفيق:
الحكم متوقِّفٌ على أنه يُذهب العقل -يخدِّر- أم لا، وهل له أضرار أو منافع متحقّقة أم مظنونة، فالحكم على الشيء فرع عن تصوُّره، فإن كان هذا الزيت مُذْهِباً للعقل فلا شكّ في تحريمه؛ لأنه يدخل تحت مسمَّى الخمر وإن سماه الناس زيتاً، ولا يُستخدم كعلاج شراباً وحدَه، فيكون -عندها- حراماً باتفاق الفقهاء. ففي الصحيحَيْن وغيرهما أن النبيَّ ﷺ قال: “كلُّ مُسكِرٍ حرام”. وروى مسلم في صحيحه من حديث طارق بن سويد الحضرمي رضي الله عنه أنه قال لرسول الله ﷺ: “إنَّ بأرضنا أعنابًا نَعتَصِرُها فنَشرَب منها، فقال: لا، فراجعه وقال: إنا نَسْتَشْفِي للمريض، فقال: إنّ ذلك ليس بِشِفاء ولكنَّه داء”. وروى البخاريُّ في صحيحه أن رسول الله ﷺ قال: “إنّ الله لم يَجعَل شفاء أمّتي فيما حَرَّم عليها”. وروى ابن ماجه في سننه أن النبيَّ ﷺ رأى أمَّ سلمة تَغلِي نَبِيذًا لتُداوِيَ به ابنتها فقال: “إنّ الله تعالى لم يجعل شفاء أمّتي فيما حَرَّم عليها”. وروى الترمذيُّ في سننه أن النبيَّ ﷺ قال: “يا عباد الله تَداوَوا، فإن الله لم يَضَعْ داء إلا وَضَع له دواء”. وفي رواية لأبي داودَ في سُننه: “فَتَداوَوا ولا تَتَداوَوا بالمحرَّم”.
أما لو خُلط زيت الحشيشة في دواءٍ واستُهلك وتحوَّل بفعل العامل الكيميائي إلى مادة جديدة فلا مانع منه بشروط. يقول الفقيه محمد الخطيب الشربينيّ الشافعيُّ -رحمه الله- في كتابه “مغني المحتاج” (4/188): “محلّ الخلاف في التداوي بها يعني بالخمر بصِرْفِها -أي الخالص-، أما الترياق المعجون بها ونحوه مما تستهلك فيه، فيجوز التداوي به عند فَقْدِ ما يقوم مقامه، مما يحصل به التداوي من الطاهرات؛ كالتداوي بنجس، كلحم حيّة، وبول، ولو كان التداوي بذلك لتعجيل شفاء، بشرط إخبار طبيبٍ مسلمٍ عدلٍ بذلك، أو معرفته للتداوي به”. انتهى. وقد صدر بجواز استعمال الأدوية المشتملة على نسبة قليلة من الكحول المسكر قرارات من مجامع الفقه الإسلامي، وفتاوى من لجان وهيئات الإفتاء في العالم الإسلامي، مع استحباب وتفضيل تجنُّب إدخال الكحول في شيء من الأدوية، حرصًا على اجتناب الشبهات.
جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في مكة قرار رقم: 94 (6/16): بشأن الأدوية المشتملة على الكحول والمخدِّرات ما يأتي: “الحمد لله وحدَه، والصلاة والسلام على مَن لا نبيَّ بعدَه، أما بعد: فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته السادسة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة، في المدة من 21-26/10/1422هـ الذي يوافقه من: 5-10/1/2002م، وبعد النظر في الأبحاث المقدَّمة عن الأدوية المشتملة على الكحول والمخدِّرات، والمداولات التي جرت حولها، وبناء على ما اشتملت عليه الشريعة من رفع الحرج، ودفع المشقَّة، ودفع الضرر بقَدْرِه، وأن الضرورات تُبيح المحظورات، وارتكاب أخفّ الضررين لدرء أعلاهما، قرر ما يلي:
1- لا يجوز استعمال الخمرة الصِّرفة دواءً بحال من الأحوال؛ لقول رسول الله ﷺ: “إنَّ اللهَ لم يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّم عَلَيْكُمْ” رواه البخاريُّ في الصحيح. ولقوله: “إنَّ اللهَ أنزَل الدَّاءَ، وجعَل لِكُلِّ داءٍ دَوَاءً، فَتَدَاوَوْا، ولا تَتَدَاوَوْا بحَرَامٍ” رواه أبو داودَ في السنن، وابن السُّني، وأبو نُعيم. وقال لطارق بن سُويد -لما سأله عن الخمر يُجعَلُ في الدواء-: “إنَّ ذلك لَيْسَ بِشِفَاءٍ، ولَكِنَّه دَاءٌ” رواه ابن ماجه في سننه، وأبو نُعيم.
2- يجوز استعمال الأدوية المشتملة على الكحول بنِسَبٍ مستهلكةٍ تقتضيها الصناعة الدوائية التي لا بديل عنها، بشرط أن يَصِفَها طبيب عدل، كما يجوز استعمال الكحول مطهرًا خارجيًّا للجروح، وقاتلاً للجراثيم، وفي الكريمات والدهون الخارجية.
3- يوصي المجمع الفقهي الإسلامي شركات تصنيع الأدوية والصيادلة في الدول الإسلامية، ومستوردي الأدوية، بأن يعملوا جهدهم في استبعاد الكحول من الأدوية، واستخدام غيرها من البدائل.
4- كما يوصي المجمع الفقهي الإسلامي الأطباء بالابتعاد عن وصف الأدوية المشتملة على الكحول ما أمكن. والله وليُّ التوفيق. وصلَّى الله على نبيِّنا محمّد”. انتهى.
وجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي رقم: (24) (11/3) ما يأتي: “للمريض المسلم تناول الأدوية المشتملة على نسبة من الكحول إذا لم يتيسَّر دواء خالٍ منها، ووَصَفَ ذلك الدواء طبيب ثقة أمين في مهنته”. انتهى.
والله تعالى أعلم.








