ما حكم الوصية في الشرع؟ وكيف يجب أن اكتب وصيَّتي؟ وهل يجب إمضاؤها من قِبَلِ قاضٍ شرعيّ أو غيره؟

الفتوى رقم 2710 السؤال: السلام عليكم، ما حكم الوصية في الشرع؟ هل هي واجبة؟ وكيف يجب أن اكتب وصيَّتي كي تكون صحيحة؟ وإذا كان عندي أملاك باسمي، فهل ثمّة نصٌّ معيَّن؟ أو أنه يجب إمضاؤها من قِبَلِ قاضٍ شرعيّ أو غيره؟

الجواب، وبالله تعالى التوفيق:

الوصيّة ورد ذكرها في الكتاب والسُّنة، وقد أجمع العلماء على مشروعيتها، ولها أحكام وفرعيات كثيرة ذكرها الفقهاء في كتبهم، وقد قال الله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) [سورة البقرة الآية: 180]. روى البخاريُّ ومسلم في صحيحَيْهما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: “مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ”. قال الإمام النوويُّ -رحمه الله تعالى- في شرحه على صحيح مسلم: “فيه الْحَثُّ عَلَى الْوَصِيَّة، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْأَمْر بِهَا، لَكِنَّ مَذْهَبنَا -أي الشافعية- وَمَذْهَب الْجَمَاهِير أَنَّهَا مَنْدُوبَة لَا وَاجِبَة. وَقَالَ دَاوُدُ وَغَيْره مِنْ أَهْل الظَّاهِر: هِيَ وَاجِبَة؛ لِهَذَا الْحَدِيث، وَلَا دَلَالَة لَهُمْ فِيهِ، فَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيح بِإِيجَابِهَا، لَكِنْ إِنْ كَانَ عَلَى الْإِنْسَان دَيْن أَوْ حَقّ أَوْ عِنْده وَدِيعَة وَنَحْوهَا لَزِمَهُ الْإِيصَاء بِذَلِكَ. قَالَ الشَّافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللَّه-: مَعْنَى الْحَدِيث: مَا الْحَزْم وَالِاحْتِيَاط لِلْمُسْلِمِ إِلَّا أَنْ تَكُون وَصِيَّته مَكْتُوبَة عِنْده. وَيُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُهَا، وَأَنْ يَكْتُبهَا فِي صِحَّته، وَيُشْهَِد عَلَيْهِ فِيهَا، وَيَكْتُبَ فِيهَا مَا يَحْتَاج إِلَيْهِ، فَإِنْ تَجَدَّدَ لَهُ أَمْر يَحْتَاج إِلَى الْوَصِيَّة بِهِ أَلْحَقَهُ بِهَا. قَالُوا: وَلَا يُكَلَّفُ أَنْ يَكْتُبَ كُلّ يَوْم مُحَقَّرَات الْمُعَامَلَات وَجُزْئِيَّات الْأُمُور الْمُتَكَرِّرَة”. انتهى.

فالوصيّة إذن إمّا واجبة وهي: ببيان ما عليك وما لك من حقوق؛ كدَيْن أو قَرْض أو أمانات مُوْدَعة عندك، أو حقوق لك في ذمم الناس، فالوصية هنا واجبة لحفظ مالِك، وبراءة ذمَّتك. وإما وصية مندوبة: وهي بأن توصيَ بعد موتك مثلاً بثلث مالِك فأقلّ، لقريبٍ غيرِ وارث، أو لغيره، أو بأن توصيَ بعمل من أعمال البرّ؛ كصدقة على الفقراء أو المساكين، أو في وجه من وجوه الخير، أو توصي ببعض الأمور المتعلقة بجنازتك؛ كمن يغسلك ومن يصلّي عليك ونحو ذلك، أو أن توصيهم باجتناب النياحة وغير ذلك من المنهيّات، لا سيما إذا كنت تعلم من حال أهلك وأقربائك أنهم ربما يفعلون شيئًا من ذلك. ويدلُّ على ذلك ما رواه مسلم في صحيحه أنّ عمرو بن العاص رضي الله عنه قال -وهو في فراش الموت-: “فَإِذَا أَنَا مِتُّ فَلَا تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ وَلَا نَارٌ”. وروى الترمذيُّ وابن ماجه في سننَيْهما عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رضي الله عنه قَالَ: “إِذَا مِتُّ فَلَا تُؤْذِنُوا بِي، إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ نَعْيًا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْ النَّعْيِ”.

واعلم -أخي السائل-: أنه ليس للوصية صيغة معيَّنة، يلتزم بها المسلم، بل يوصي بما يناسب حاله وحال أهله، وما له وما عليه من الحقوق وغيرها.

وللوصية تفاصيل كثيرة لا يتسع المقام لذكرها. لكنْ بالنسبة لقولك بأن لديك أملاك باسمك، فهذه الوصية للأملاك تقع تحت حكم الوصية المندوبة أي المستحبة وقد بيَّنا ما يتعلَّق بها.

وأما الوصية للورثة فلا تَصِحّ؛ لأن الأصل أنه لا وصية لوارث ولو بأقلّ من الثلث لأنه صاحب فرض وارث، وعلى هذا اتفاق فقهاء المذاهب الأربعة؛ لقوله ﷺ: “إنّ الله قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه فلا وصية لوارث”. رواه أحمدُ وأصحاب السُّنَن بسند صحيح. لكنْ لو أنَّ الورثة جميعهم أجازوا هذا الأمر -بمعنى أنهم وافقوا على هذه الوصية- فإنها تنفذ، وذلك باتفاق الأئمة الأربعة بشرطين: الأول: أن يكون الـمُجيز (الوريث) من أهل التبرُّع -أي بالغاً عاقلاً غير محجور عليه لسَفَه أو عتَه أو مرضِ مَوْت- وأن يكون عالماً بالموصَى به -مقدار الوصية-. الثاني: أن تكون الإجازة بعد موت الموصِي (المورث) -على اختلاف في بعض التفاصيل-. ودليل ذلك قوله ﷺ: “لا وصية لوارث إلا أن يُجيز الورثة”. رواه الدارقطني في سُنَنه. والله تعالى أعلم.

أما أذا أردت أن تعرف تفاصيل أكثر، فيُمكنك الرجوع إلى كتب الفقه التي جعلت باباً خاصاً بالوصية.

والله تعالى أعلم.

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *