هل يشعر الميت بمن يزوره؟ وهل يعرفه؟ وهل يُسَرُّ به؟ وهل يُسَنُّ وضع غصن أخضر على قبره؟ وهل ينتفع الميت بقراءة القرآن؟
الفتوى رقم 2027 السؤال: هل يشعر الميت بمن يزوره؟ وهل يعرفه؟ وهل يُسَرُّ به؟ وهل يُسَنُّ وضع غصن أخضر على قبره؟ وهل ينتفع الميت بقراءة القرآن؟
الجواب، وبالله تعالى التوفيق:
فإنّ المتوَفَّى يشعر بمن يزوره، فقد ورد في الحديث عن أمِّنا عائشةَ رضي الله عنها، أنّ النبيَّ ﷺ قال: “ما من رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده إلا استأنس به وردَّ عليه حتى يقوم” الحديث. قال عنه الحافظ العراقي -في تعليقه على إحياء علوم الدين- رواه ابن أبي الدنيا في القبور، وفيه عبدالله بن سمعان ولم أقف على حاله، وروى ابن عبد البرِّ في التمهيد، من حديث ابن عباس نحوَه وصحَّحه عبد الحقّ الإشبيلي. ا هـ.
ويُسَنُّ أن يسلِّم على الميت، فقد روى الإمام مسلم عن بريدةَ رضي الله عنه، قال: “كان النبيُّ ﷺ يعلِّمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول: (السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنّا إن شاء الله للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية).
وأما بالنسبة لوضع غصن أخضر، وهل ينتفع الميت بذلك، فقد ورد في الصحيحين من حديث عبد الله بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: “مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى قَبْرَيْنِ، فَقَالَ: “أَمَا إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ”، قَالَ: فَدَعَا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ (جريدة نخل خضراء)، فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنِ، ثُمَّ غَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا، وَعَلَى هَذَا وَاحِدًا، ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا”، فقوله ﷺ: “ما لم يَيْبَسَا” دليل على جواز وضع الغصن الأخضر على القبر. وقال الفقيه الشافعيُّ ابن حجر الهيتميُّ -رحمه الله تعالى- في كتابه “الفتاوى الكبرى”: “استنبط العلماء من غرس الجريدتين على القبر، غرسَ الأشجار والرياحين على القبر”. انتهى. وقال صاحب الفتاوى الهندية للأوزجندي الحنفي: “وضع الورود والرياحين على القبور حسن، وإن تُصُدِّقَ بقيمة الورد كان أحسن، كذا في الغرائب”. ا هـ. وقال صاحب مطالب أولي النهى الرحيبانيُّ الحنبلي: “وسُنَّ لزائره فعلُ ما يخفِّف عنه -أي الميت- ولو بجعل جريدة رطبة في القبر للخبر، وأوصى به بُريدة، وفي معناه غرس غيرها، وأنكر ذلك جماعة من العلماء”. ا هـ. وقال الإمام الرمليُّ الشافعيُّ -رحمه الله تعالى- في كتابه “تحفة المحتاج”: “يُسَنُّ وضع جريدة خضراء على القبر للاتباع، وسنده صحيح، ولأنه يخفَّف عنه ببركة تسبيحها، إذ هو أكمل من تسبيح اليابسة، لما في تلك من نوع حياة، وقيس بها ما اعتيد من طرح الريحان ونحوه”. انتهى.
وأما بالنسبة لقراءة القرآن الكريم وإهداء ثوابه إلى الميت المسلم فهي من المسائل التي اختلف فيها فقهاء السلف؛ فالراجح من أقوال أهل العلم أن ثواب قراءة القرآن يصل إلى الميت المسلم. وأما الدعاء للميت فلا خلاف في أنه يصل إلى الميت كما ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم، قال ﷺ: “إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَةٍ: إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ”. وروى ابن ماجه في سننه أنه ﷺ قال: “إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَه، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ، وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ يَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ”. وبما أن الدعاء للميت مُجْمَع عليه عند علماء المسلمين فقد قال بعض أهل العلم: إذا دعا للميت بعد الفراغ من الختمة بهذا الدعاء: اللهم إنا نهدي ثواب ما قرأناه من القرآن الكريم إلى روح فلان ابن فلان فتقبَّله منا، فإنّ الله سيقبل منه ذلك. وقد أشار الخطيب الشربينيُّ الشافعيُّ في كتابه “مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج” (3/70): “وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: “اللَّهُمَّ أَوْصِلْ ثَوَابَ مَا قَرَأْنَا لِفُلَانٍ فَيَجْعَلَهُ دُعَاءً”، وَلَا يَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ، وَيَنْبَغِي الْجَزْمُ بِنَفْعِ هَذَا؛ لِأَنَّهُ إذَا نَفَعَ الدُّعَاءُ وَجَازَ بِمَا لَيْسَ لِلدَّاعِي فَلَأَنْ يَجُوزَ بِمَا لَهُ أَوْلَى، وَهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِالْقِرَاءَةِ بَلْ يَجْرِي فِي سَائِرِ الْأَعْمَالِ”. ا هـ. والله تعالى أعلم.
وأما قول السائل الكريم: هل يحسّون بالأشخاص الذين يدعون لهم؟ فالظاهر أن ذلك حاصل، فقد قال رسول الله ﷺ: “إنّ الرجل لتُرفع درجتُه في الجنة فيقول: أنّى هذا؟ فيقال: باستغفار ولدك لك”. رواه ابن ماجه في سننه والإمام أحمد في مسنده. ويؤكد ذلك عموم قول النبيّ ﷺ: “إنّ أعمالكم تُعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات، فإن كان خيرًا استبشروا به، وإن كان غير ذلك قالوا: اللهمّ لا تُمتهم حتى تهديهم كما هديتنا”. رواه الإمام أحمد في مسنده. ملخَّصًا من تفسير ابن كثير عند تفسير قول الله تعالى (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) [سورة التوبة الآية: 105]. والله تعالى أعلم.








