حكم عِدَّة الطلاق، هل الواجب فيها أن لا تظهر المرأة أمام الرجال، وأن تلتزم البيت؟

الفتوى رقم: 1735 السؤال: أريد السؤال عن حكم عِدَّة الطلاق، هل الواجب فيها أن لا تظهر المرأة أمام الرجال، وأن تلتزم البيت؟ أم أن لا تتزوج أو يطلبها أحدهم حتى تُتِمَّ ثلاثةَ قروء؟

الجواب، وبالله تعالى التوفيق:

ظهور المرأة على الرجال (الاختلاط) لا يجوز إلا لحاجة سواء كانت المرأة في العِدَّة أم لم تكن معتَدَّة، وهذا لا خلاف فيه بين الفقهاء. فالأصل أن لا يختلط الرجال بالنساء، لكن إذا كانت الحاجة تقتضي ذلك؛ فلا حرج فيه، بشرط الالتزام بالضوابط الشرعية. فمجرّد الاجتماع بين الجنسين تحت سقف واحد مع التزام الضوابط الشرعية لا حرج فيه، إذا كانت المرأة تلتزم بالحجاب الشرعيِّ وتتحفّظ غاية التحفُّظ في معاملة الرجال الأجانب، وأن يكون الكلام والتحدُّث محصورًا بالحاجة التي دَعَتْها لذلك، وأن تلتزم بالآداب الشرعية من ترك الخضوع بالقول ونحو ذلك، والبعد عن كلِّ ما يثير الفتنة، والمحافظة على غضِّ البصر، وعدم الخلوة. والدليل على ذلك أنّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم زار ضُباعة بنت الزبير -وهي ابنة عمِّ النبيّ ﷺ-، فقال لها: “لعلَّك أردتِ الحجَّ؟ قالت: لا أَجِدُني إلا وَجِعَة، فقال: حُجِّي واشترطي”. متّفق عليه. وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه: “أنّ رسول الله ﷺ دخل على أمِّ السائب -أو أُمِّ المسيَّب- فقال: “ما لك يا أُمَّ السائب تُزَفْزِفين؟ أي ترتعدين، قالت: الحمَّى، لا بارك الله فيها، فقال: “لا تَسُبِّي الحُمَّى، فإنها تُذهِب خطايا بني آدم كما يُذهِب الكِيرُ خَبَثَ الحديد”. وقد زار أبو بكر وعمر رضي الله عنهما أمَّ أيمن رضي الله عنها، فعن أنس رضي الله عنه قال: “قال أبو بكر لعمر بعد وفاة النبيِّ ﷺ: انطلق بنا إلى أمِّ أيمنَ نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها، فلما انتهيا إليها بكت، فقالا لها: ما يُبكيك؟ أما تعلمين أنّ ما عند الله خيرٌ لرسول الله ﷺ؟ فقالت: إنّي لا أبكي أنّي لا أعلم أنّ ما عند الله خيرٌ لرسول الله ﷺ، ولكنْ أبكي أنّ الوحي قد انقطع من السماء، فهيَّجَتْهما على البكاء فجعلا يبكيان معها”. رواه مسلم.

وأما الاختلاط المحرَّم فهو: اجتماع الرجال والنساء دون الالتزام بالضوابط الشرعية، كأنْ تكون هناك مماسَّة بين الجنسين، أو تبرُّج من النساء، أو خضوع منهنّ بالقول، ونحو ذلك.

وأمّا بالنسبة لمسألة خروج المعتدَّة عِدَّة طلاق من البيت؛ فإن كان رجعيًّا فلا تخرج إلّا بإذن زوجها، ويَحْرُم عليه إخراجُها إلّا أن تأتيَ بفاحشة مبيِّنة، ولا يَحِلُّ لها الخروج إلا إذا أخرجها؛ لقوله تعالى: (يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا العِدَّة وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) [سورة الطلاق الآية: 1]. فهي من جهة لا تزال مفاعيل الزواج قائمة، ومن جهة أخرى هي مطلَّقة، ومثال ذلك أنّها لا تخرج من البيت إلّا بإذن الزوج، إذا مات الزوج ترث منه والعكس أيضًا الزوج يرث زوجته، ويمكنه إرجاعها بدون إذنها… وأمّا إن كان الطلاق بائنًا بينونةً صُغرى أم كبرى فلها أن تعتَدَّ في بيت أهلها، ولها أن تعتَدَّ في بيت زوجها إن انتفت الخلوة بينهما.

وأمّا مسألة إعلامها بالرّغبة من الزواج منها -أي المعتَدَّة- فقد اتّفق الفقهاء على أنّه لا يجوز التصريح بخِطبة المعتَدَّة؛ سواء كانت معتدَّة من طلاق رجعيٍّ أو بائن، أو في عِدَّة وفاة. والفرق بينهما: أنّ التصريح لا يحتمل غير النكاح؛ فلهذا حَرُم، خوفًا من استعجالها، وكذبها في انقضاء عِدَّتها؛ رغبةً في النكاح، وقضاءً لحقِّ زوجها الأوّل، بعدم مواعدتها لغيره مُدّة عِدَّتها.

وأمّا التعريض وهو: الذي يحتمل النكاح وغيره، فهو جائز للبائن خلافًا للرجعيّة؛ كأنْ يقول: إنّي أريد التزوُّجَ، وإنِّي أحبُّ أن تشاوريني عند انقضاء عِدَّتك، ونحو ذلك، فهذا جائز لأنّه ليس بمنزلة التصريح، وفي النفوس داعٍ قويٌّ إليه. وكذا إضمار الإنسان في نفسه أن يتزوَّج مَن هي في عِدَّتها إذا انقضت (يعني: لا حرج فيه أيضًا)؛ ولهذا قال سبحانه: (أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ) [سورة البقرة الآية: 235]. هذا التفصيل كلُّه، في مقدِّمات العقد. وأمّا عقدُ النكاح فلا يَحِلُّ (حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ) [سورة البقرة الآية: 235]، أي: تنقضي العِدَّة”. انتهى باختصار من “الموسوعة الفقهية الكويتية” (19/191، 193).

والله تعالى أعلم.

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *