هل صحَّ أن النبيَّ ﷺ كان يرى من وراء ظهره كما كان يرى من أمامه؟

الفتوى رقم: 1387 السؤال: هل صحَّ أن النبيَّ ﷺ كان يرى من وراء ظهره كما كان يرى من أمامه؟ وكيف يكون ذلك؟ وما معنى حديث:” إني أراكم من وراء ظهري”؟

الجواب، وبالله تعالى التوفيق:

بالنسبة لرؤية النبيِّ ﷺ لمـَن خلفه أو من وراء ظهره، فقد روى البخاريُّ ومسلم في صحيحَيْهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال:“هل ترَوْن قِبْلَتِي ها هنا، فوالله ما يخفَى عليَّ خشوعُكم ولا ركوعكم، إني لأراكم من وراء ظهري.” قال الحافظ ابن حجر العسقلانيُّ -رحمه الله تعالى- في كتابه: “فتح الباري شرح صحيح البخاري” (1/347): “قوله: “هل ترَوْن قِبْلَتِي” هو استفهامُ إنكارٍ لما يلزم منه، أي أنتم تظنون أني لا أرى فعلكم لكون قبلتي في هذه الجهة؛ لأن من استقبل شيئًا استدبر ما وراءه، لكن بيَّن النبيُّ ﷺ أن رؤيته لا تختصُّ بجهة واحدة. وقد اختُلِف في معنى ذلك؛ فقيل: المراد بها العلم؛ إما بأن يُوحَى إليه كيفيةُ فعلهم، وإما أن يُلْهَمَ، وفيه نظر؛ لأن العلم لو كان مرادًا لم يقيِّده بقوله من وراء ظهري. وقيل: المراد أنه يرى من عن يمينه ومن عن يساره ممن تدركه عينه مع التفات يسير في النادر، ويوصف مَنْ هو هناك بأنه وراء ظهره، وهذا ظاهر التكلُّف، وفيه عدول عن الظاهر بلا موجب. والصواب المختار أنه محمول على ظاهره، وأن هذا الإبصار إدراك حقيقي خاصٌّ به ﷺ انخرقت له فيه العادة، وعلى هذا عَمَلُ المصنِّف -البخاري- فأخرج هذا الحديث في باب علامات النبوَّة، وكذا نقل عن الإمام أحمد وغيره.

ثم ذلك الإدراك يجوز أن يكون برؤية عينه انخرقت له العادة فيه أيضًا فكان يرى بها من غير مقابلة، لأن الحقَّ عند أهل السنة أن الرؤية لا يُشترط لها -عقلًا- عضوٌ مخصوص ولا مقابلة ولا قرب، وإنما تلك أمور عادية يجوز حصول الإدراك مع عدمها عقلًا، ولذلك حكموا بجواز رؤية الله تعالى في الدار الآخرة خلافًا لأهل البدع لوقوفهم مع العادة. وقيل: كانت له عينٌ خلف ظهره يرى بها مَنْ وراءه دائمًا، وقيل: كان بين كتفيه عينان مثل سَمِّ الخياط يُبصر بهما لا يحجبهما ثوب ولا غيره، وقيل: بل كانت صورهم تنطبع في حائطِ قِبْلَتِه كما تنطبع في المرآة فيرى أمثلتهم فيها فيشاهد أفعالهم”. انتهى.

وروى البخاريُّ أيضًا في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: “صلَّى بنا النبيُّ ﷺ صلاة ثم رَقِيَ المنبرَ فقال في الصلاة وفي الركوع إني لأراكم من ورائي كما أراكم”. قال الحافظ ابن حجر العسقلانيُّ -رحمه الله تعالى- في كتابه: “فتح الباري شرح صحيح البخاري” (1/348): “قوله: “كما أراكم” يعني من أمامي. وصرَّح به في رواية أخرى… ولمسلم: “إني لأُبصر من ورائي كما أُبصر من بين يديّ” وفيه دليل على المختار أن المراد بالرؤية الإبصار، وظاهر الحديث أن ذلك يختصُّ بحالة الصلاة، ويحتمل أن يكون ذلك واقعًا في جميع أحواله، وقد نُقل ذلك عن مجاهد. وحكى الفقيه بقيُّ بن مخلد -رحمه الله تعالى-: أنه ﷺ كان يُبصر في الظلمة كما يُبصر في الضوء”. انتهى.

وقال الإمام النوويُّ -رحمه الله تعالى- في شرحه على صحيح مسلم: “قال العلماء: معناه أن الله تعالى خلق له -ﷺ- إدراكًا في قفاه يُبصر به من ورائه، وقد انخرقت العادة له ﷺ بأكثرَ من هذا، وليس يمنع من هذا عقل ولا شرع، بل ورد الشرع بظاهره فوجب القول به. قال القاضي: قال أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- وجمهور العلماء: هذه الرؤية رؤية بالعين حقيقة”. انتهى.

والله تعالى اعلم

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *