هل تجويد القرآن واجب، وما الدليل؟

الفتوى رقم: 1371 السؤال: هل تجويد القرآن واجب، وما الدليل؟

الجواب، وبالله تعالى التوفيق:

تجويد القرآن الكريم واجب من حيث التطبيق العملي، وليس المقصود أن يعلم أن هذا الحكم إخفاء، أو إدغام، أو مخارج الحروف وصفاتها، بل المقصود التطبيق العملي للقراءة الصحيحة، فقد قال العلَّامة الجامع المقرئ خاتمة المحقِّقين ابن الجزري -رحمه الله- في مقدِّمته:

وَالأَخْذُ بِالتَّـجْـوِيدِ حَـتْمٌ لازِمُ * مَنْ لَـمْ يُصَحِّح الْقُرَانَ آثِمُ
 لأَنَّهُ بِهِ الإِلَهُ أَنْزَلاَ * وَهَكَذَا مِنْهُ إِلَيْـنَا وَصَلَا
 وَهُـوَ أَيْضًا حِـلْيَةُ الـتِّلَاوَةِ * وَزِيـنَـةُ الأَدَاءِ وَالْقِرَاءَةِ
 وَهُـوَ إِعْـطَاءُ الْـحُـرُوفِ حَقَّـهَا * مِـنْ كُلِّ صِـفَـةٍ وَمُسْتَحَقَّهَا
 وَرَدُّ كُلِّ وَاحِدٍ لأَصْلِهِ * وَاللَّفْظُ فِي نَظِيرِهِ كَمِـثْـلِهِ
 مُكَمَّـلًا مِنْ غَـيْرِ مَا تَكَلُّفِ * بِاللُّطْفِ فِـي النُّطْقِ بِـلاَ تَعَسُّـفِ
 وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَـرْكِهِ * إِلاَّ رِيَاضَةُ امْرِئٍ بِفَكِّهِ

فحكم التجويد التطبيقي (العملي)؛ أي: قراءة القرآن بأحكامِ التجويد: واجب وجوبًا عينيًّا، على كلِّ مسلم ومسلمة؛ قال الله تعالى: (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا) [سورة المزمل الآية: 4]، أي وجوِّدْه تجويدًا، والأمر هنا للوجوب، وهذا ما قصده العلَّامة ابن الجزري – رحمه الله -.

أقسام اللَّحن (الخطأ) في قراءة القرآن

ملحوظة: لا بدَّ من التَّفرقة بين أقسام اللَّحن (الخطأ) في قراءة القرآن، وهي:

  • * اللَّحن الجلي: وهو خطأٌ يَطرأ على اللَّفظ فيخل بمبنَى الكلمة وعُرْفِ القراءة (أحكام التجويد)، سواءٌ أخلَّ بالمعنى أو لم يخل، وهو الخطأ الذي يَطرأ على الكلمات أو الحروف أو الحركات. وحكمُه: يَأْثم فاعله إذا تعمَّده أو تساهَل فيه، ويُستثنى مَن كان في لسانه عِوج خِلْقي أو عُجمة، أو كان كبيرًا في السنِّ وتخشَّب لسانُه فلا يتمكَّن من نطق الحروف نطقًا سليمًا.
  • * اللَّحن الخفي: وهو خطأ يَطرأ على اللَّفظ فيخل بعُرف القراءة (أحكام التجويد) دون الإخلالِ بمبنى الكلمة، وهذا اللحن ينقسم إلى قسمين:
    • * اللحن الخفي بسيط الخفاء: كقَصْر المدِّ اللازم، أو ترك الغنَّة في الميم والنون المشددتين، وحكمه: يأثَم فاعلُه إذا تعمَّده أو تساهل فيه؛ لوجوب العمل بالتجويد وجوبًا عينيًّا.
    • * اللحن الخفي شديد الخفاء: وهذا اللَّحن لا يعرفه إلا المَهَرة من القرَّاء؛ كالزيادة في مقدار المدِّ أو الغنَّة زيادة يسيرة، وحكمه: لا يأثم فاعله، ولكن ينبغي أن يجتهد في تجنُّبه.
فائدة:

الإِثْم يلحق بالقارئ الذي يلحن لحنًا جليًّا أو خفيًّا بسيطَ الخفاء إن قصَّر في التعلُّم، لكن إن اجتهد في التعلُّم ثم وقع في اللَّحن أثناء تعلُّمه فلا يأثم؛ بل وله أجران؛ عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسولُ الله ﷺ: “الماهرُ بالقُرآنِ مع السَّفَرة الكرام البرَرَة، والذي يقرأُ القُرآن ويتَتَعْتَعُ فيه، وهُو عليه شاقٌّ: لهُ أجران”.

يقول أحمد بن محمد بن الجزريِّ في “شرح الطيبة” -وهو ابن الناظم ابن الجزريِّ -: “وذلك واجب على من قدر عليه. انتهى. وقال حجة الإسلام أبو حامد الغزالي -رحمه الله- في: إحياء علوم الدين”: “والذي يُكثر اللحن في القرآن إن كان قادرًا على التعلُّم فليمتنع من القراءة قبل التعلُّم فإنه عاصٍ به، وإن كان لا يطاوعه اللسان فإن كان أكثر ما يقرؤه لحنًا فليتركه، وليجتهد في تعلُّم الفاتحة وتصحيحها، وإن كان الأكثر صحيحًا وليس يقدر على التسوية فلا بأس له أن يقرأ، ولكن ينبغي أن يخفض به الصوت حتى لا يسمع غيره، ولمنعه سرًّا منه أيضًا وجه، ولكن إذا كان ذلك منتهى قدرته وكان له أُنس بالقراءة وحرص عليها فلست أرى به بأسًا”. انتهى. قال الحافظ أبو عمرو الداني رَحِمَهُ اللهُ في “التيسير في القراءات السبع” “فليسَ التجويدُ بتمضيغ اللِّسَان، ولا بتقعيرِ الفَمِ، ولا بتعويج الفكِّ، ولا بترعيد الصوتِ، ولا بتمطيط المشدَّد، ولا بتقطيع المَدِّ، ولا بتطنين الغُنَّات، ولا بحصرَمة الرَّاءات، قِراءةً تنفر منها الطِّباعُ، وتَمُجُّها القلوبُ والأسماعُ؛ بل القراءة السهلة، العذبة، الحلوة اللطيفة، التي لا مَضْغَ فيها ولا لَوكَ، ولا تعَسُّفَ ولا تكلُّف، ولا تصنُّعَ ولا تنطُّعَ، ولا تخرج عن طباع العرب وكلامِ الفصحاء، بوجْهٍ من وجوه القراءاتِ والأداء”. اهــ. وقال الإمام ابن الجزريِّ -رحمه الله- في كتابه “النشر في القراءات العشر”: “لا أعلم سببًا لبلوغ نهايةِ الإتقان والتجويد، ووصول غاية التصحيح والتشديد – مِثل رياضة الألسُن، والتكرار على اللفظ المتلقَّى من فم المحسن”. اهـ. وقَال العَلَّامةُ أبو الحسن الصفاقسي -رحمه الله- في كتابه “تنبيه الغافلين وإرشاد الجاهلين”: “وقد كان العالمون بصناعةِ التجويد يَنْطِقُونَ بها سَلِسَة، سهلةً برِفْقٍ، بلا تعَسُّف، ولا تكلُّف، ولا نبرةٍ شديدة، ولا يتمكَّن أحدٌ من ذلك إلا بالرياضة، وتلقِّي ذلك من أفواه أهل العلم بالقراءة”.

والله تعالى أعلم.

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *