للراحلين نزيف وشوق.. رثاء الحاج فؤاد الزعتري

للراحلين نزيف وشوق.. رثاء الحاج فؤاد الزعتري “أبو سهيل”

لا أصعب من الحديث عن الموت، ولا أضيق للنفس منه، إذ يمر ثقيلًا خانقًا.. وليس مكمن الصعوبة جزع اللقاء به، فهي كأس لا بد لكل الناس من الرشف منها، ولكنها نزيفٌ قلبيّ، وثلمة تنكت في وجداننا على أثر كل فقد، هي غصص تصارع لتتحول كلماتٍ نبوح بها، نحمّلها تلك السرابيل الثقيلة.. ولكنّنا لا نُفلح في ذلك كل حين، إذ تظلّ تلك الاختلاجات في الصدر أكثرَ تعبيرًا مما نكتب أو نقول..

لا نحكي عادة عن الموت، لا نكتبه، ولا نمجده -إلا من يقدم حياته سبيل الله تعالى-، ولكننا ومن هذه البوابة وفي سياق هذه الغصص الملتاعة، والكلمات المتسربلة، نلج للحديث عمن نفقدهم، نرد على ذكره -أي الموت- إلماحّا، بذكرنا من نفقد. الإنسان بطبعه يحبّ الحكايا، نقصّ سير من نحب، نتغنى بأخبار الأبطال والعظماء وما حققوه وقاموا به.. ومهما طالت هذه القصة أو قصرت، سيكون الموت جملتها الأخيرة… والنقطة الختامية التي لا يتجاوزها القلم.. خسارات المرء أشباحٌ تطارده من دون توقف.. لكل منا خسارة لا يتجاوزها، ربما يتعايش معها.. فالحياة قافلة ستمضي بلا توقف، تمضي بنا ونمضي معها، نغالب حزنين في هذه الدنيا.. حزن فراق بإرادة وخلاف.. وحزن فقد بلا عودة..

وفي هذا الثاني، يبكي المحبون، ويتصبر المتصبرون، وفيهم طرائق شتى.. ولكننا دائمًا نغفل عنه، ونتلمس ذهولنا الأول عند كل خبر.. ربما يتوقع البعض منا وفاة مريض، ممن أصيب بسقم دائم، ويتوقع البعض وفاة كبيرٍ في السن قد بلغ من العمر ما بلغ، ولكن موت الفجاءة لا يدع للإنسان مجالًا للتفكير، هي ضربةٌ قاسمة، وهزةٌ عنيفة لمشاعر كل منا، ففقد من نحب على حين غِرة، يُثير لواعج وأفكارًا، ويُنبت في كل منّا خنساء لا تمل بكاء صخرها، لا نرثي أحبتنا شعرًا يظل ألف عام بالضرورة، ولكننا نبكيهم على طريقتنا الخاصة..

عندما سمعت الخبر للمرة الأولى، أطرقت دقيقة أو أكثر، لم أسمع إلا دقات قلبي هادرة في صباح باردٍ ثقيل، تجمد الدم في عروقي وحدقت مليًا في صاحب الصورة، أخ عزيز صاحب سمت وبهاء ودماثة خلق… إنه أبو سهيل.. لا حول ولا قوة إلا بالله … كانت عباراتي المكتومة النازفة.. مع أنفاس تنفث الحزن لهيبًا في أتون الذكريات والصور.

ما أطيب ذكرك يا أيها الفقيد الغالي، عشرات ممن أعرفهم ولا أعرفهم، أغدقوا عليك من الدعاء والثناء الحسن، شهادات كثيرة، وكلمات مبثوثة، والألم يعتصر أكباد الصحب والرفاق، كلنا بكاك بطريقته الخاصة، وها أنا أبكيك هنا بطريقتي أيضًا، أنزف حزني حروفًا، علني أرسل لكم رسالة أخيرة، رسالة مضمخة بالوجد والشوق والحب.. ولن تكفي..

ننزف أشواقنا للراحلين، لا سخطًا والعياذ بالله من قدرٍ مكتوب، ولكنه ضربٌ من ضروب الوفاء، لتكون هذه المشاعر مشاعل عمن حب، تبقي ذكر هؤلاء الأفذاذ حيًا في أذهاننا، ويكون عملهم ودعوتهم وجدهم واجتهادهم نماذج حية، قابلة للاستنساخ في أجيال وأجيال قادمة..

ربما أعرف الفقيد من نحو 15 عامًا، ولكني ومن كمّ المكارم التي نشرها إخوانه وأحبابه عنه، تيقنت أنني لا أعرفه حق المعرفة، ولكنني لمست أمرين لمس اليد، ذلك الخلق الرفيع، الذي ما فارقه منذ رأيته أول مرة، حتى آخر مرة التقيت معه بها. والثاني هي ابتسامته الحانية السابغة، وما بينهما كان الفقيد كتلة من نشاط ووعي وعمل.. وكان أكثر من ذلك بكثير..

كلما يتقدم المرء بالعمر يزداد عدد من يفقدهم من أحبته وأقاربه ومعارفه، هي ضريبة أخرى لعمر يتطاول بصاحبه، أن يفقد الإنسان من يحب شيئًا فشيئًا، أن يفقد في حياته الخيّرين، أن يسمع يوميًا أنباء موت صالح هنا، وداعية هناك.. آه ما أقسى هذه الأخبار..

رحم الله فقيدنا الغالي وأغدق عليه من رحماته وبركاته، وجزاه عنا كل خير، فقد كان جنديًا مجهولًا، يعمل بصمت خلف الكثير من المشاريع، ويُسهم فيها بما يستطيع من جهد وقوة، وفوق ذلك كله صابر فقد زوجته وشريكة عمره، ثلاث سنوات، كان مثالًا للوفاء، نموذجًا للعمل الدؤوب والروح المتوثبة.

لن تداوي هذه الكلمات ما انكلم عند صحبه وبنيه، ولكنها ترياق لكاتبها على الأقل، ورسالة أخيرة تظل عصية عن الموت هي أيضًا، تقول للفقيد آخر ما أردت قوله.. فنحن في زمنٍ لا نحسن قول ما نريد.. إلا بعد أن نفقد من نريد.

والسلام..

بقلم: الأستاذ علي إبراهيم، مسؤول لجنة فلسطين والأقصى في جمعية الاتحاد الإسلامي
في رثاء الأستاذ الحاج فؤاد الزعتري عضو الهيئة الإدارية في جمعية الاتحاد الإسلامي

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *