القول الراجح في مسألة ولادة النبيِّ ﷺ مختونًا

الفتوى رقم: 1192 السؤال: ما هو القول الراجح في مسألة ولادة النبيِّ ﷺ مختونًا؟ وهل ورد حديث في ذلك؟

الجواب، وبالله تعالى التوفيق:

اختلف علماء المسلمين في مسألة ختان النَّبِيِّ ﷺ على ثلاثة أقوال: وقد عقد ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه: “زاد المعاد في هدي خير العباد”(1/81) فصلًا في ختانه ﷺ، وأشار إلى هذه الأقوال:

  • أحدها: أنه وُلِد مختونًا ـ:أي لا قَلفَةَ له، أو مقطوع القلفة.- مسرورًا -أي مقطوعَ حبلِ السُّرة- وروي في ذلك حديث لا يصح، قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه: “لطائف المعارف” ص 93: “قد رُوِي أنه ﷺ ولد مختونًا مسرورًا، ولم يجترئ أبو عبدالله -أي الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله- على تصحيح هذا الحديث”. انتهى وذكر الحديثَ العلَّامةُ ابن الجوزي رحمه الله في كتابه: “الموضوعات”، وليس فيه حديث ثابت، وليس هذا من خواصِّه؛ فإن كثيرًا من الناس يولَد مختونًا.. والناس يقولون لمن ولد كذلك: ختنه القمر، وهذا من خرافاتهم. قال الحافظ الحاكم النيسابوريُّ رحمه الله في كتابه: “المستدرك على الصحيحين”(2/602)، كتاب تواريخ المتقدِّمين من الأنبياء والمرسلين ـ باب ذكر أخبار سيِّد المرسلين وخاتم النبيِّين.. قال: “تواترت الأخبار أنه -عليه السلام- وُلد مختونًا. ” انتهى. وتعقَّبه الحافظ الذهبي رحمه الله في “تلخيص المستدرك”(2/602) فقال: “قلت: ما أعلم صحة ذلك! فكيف يكون متواترًا؟!” انتهى. وأجيب -كما في “المواهب اللدنِّيَّةِ بالمِنَحِ المحمَّدِيَّة للإمام القسطلَّاني رحمه الله تعالى(1/81)- ونقل ذلك أيضًا الإمامُ محمد بن يوسف الصالحي رحمه الله في كتابه: “سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد”(1/347)-: باحتمال أن يكون أراد بتواتر الأخبار اشتهارها وكثرتها في السِّيَر -مع أنها ضعيفة- لا من طريق السند المـصطلَح عليه عند أئمة الحديث. “اهـ. وقد رجح الإمام محمد بن يوسف الصالحي في سبل الهدى هذا القول وأتى بأدلة على صحة حديث: أن رسول الله ﷺ قال: “من كرامتي على ربي أني ولدت مختونًا ولم ير أحد سَوْأَتِي” رواه الطبراني وأبو نعيم وابن عساكر من طرق ونقل -الصالحي- تصحيح الحافظ ضياء الدين المقدسي.
  • القول الثاني: أنه ﷺ خُتِن يوم شَقَّ قلبَه الملائكةُ عند ظِئْره ـأي مرضعتهـ حليمة.
  • القول الثالث: أن جَدَّه عبدالمطلب خَتَنه يوم سابعه، وصنَع له مأدُبة، وسمَّاه محمَّدًا. يقول ابن القيم في “زاد المعاد”(1/82) ونقله أيضًا الإمام القرطبيُّ رحمه الله تعالى في كتابه: “الجامع لأحكام القرآن” (2/78) عند تفسير الآية 124من سورة البقرة “قال أبو عمر بن عبد البَرّ في “التمهيد”: وفي هذا الباب حديث مسنَد غريب، حدَّثناه أحمد بن محمَّد بن أحمد، حدَّثنا محمَّد بن عيسى، حدَّثنا يحيى بن أيوب العلاف، حدَّثنا محمَّد بن أبي السري العسقلاني، حدَّثنا الوليد بن مسلم، عن شعيب، عن عطاء الخراساني، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما: “أن عبدالمطلب خَتَنَ النَّبِيَّ ﷺ يوم سابعه، وجعل له مأدُبة، وسماه محمَّدًا ﷺ”. قال يحيى بن أيوب: طلبتُ هذا الحديث فلم أجده عند أحدٍ من أهل الحديث ممن لقيتُه، إلا عند ابن أبي السري. وقد وقعت هذه المسألة بين رجلين فاضلين، صنَّف أحدهما مصنَّفًا في أنه وُلد مختونًا، وأجلب فيه من الأحاديث التي لا خطام لها ولا زمام، وهو كمال الدين بن طلحة، فنقضه عليه كمال الدين بن العديم، وبيَّن فيه أنه ﷺ خُتِن على عادة العرب، وكان عموم هذه السُّنَّةِ للعرب قاطبة مُغْنِيًا عن نقل معيَّن فيها.” انتهى. ونصَّ القرطبي في تفسيره – نقلًا عن ابن عبد البَرِّ المالكي – على تضعيف أنه وُلِدَ صلَّى الله عليه مختونًا.

بناء عليه: فمسألة ختان النَّبي ﷺ، مختلف فيها: أقوى هذا الأقوال هو أنه خُتن على عادة العرب في اليوم السابع، ولم يولد مختونًا. ورجح البعض الآخر: أنه ولد مختونًا، ولهم في ذلك أدلة كما ذكرنا ذلك سابقًا.

والله تعالى أعلم.

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *