هل صحيح أن معاوية بن أبي سفيان أمر بلعن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه على المنابر؟

الفتوى رقم: 1188 السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أود أن أسأل: هل صحيح أن معاوية بن أبي سفيان عندما استتب له المـلك أمر بلعن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه على المنابر؟

الجواب، وبالله تعالى التوفيق:

اعلم -أخي السائل- أن هذه أكذوبة سرت بين بعض المؤرِّخين -دون إسناد- تزعم أن معاوية رضي الله عنه أمر بسبِّ أمير المؤمنين سيِّدِنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه على المنابر طوال عهده! ثم توارث ذلك بنو أمية إلى عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى الذي أوقف هذا السبَّ. والأدلة التي تثبت كذب هذا الكلام كثيرة نكتفي منها بهذا الدليل، وهو ما أخرجه مسلم في صحيحه (4/1871) “باب فضائل علي رضي الله عنه” عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: “أمر معاوية بن أبي سفيان سعدًا فقال: ما منعك أن تسُبَّ أبا تراب؟ فقال: ذكرتُ ثلاثًا قالهنَّ له رسول الله ﷺ، فلن أسُبَّهُ، لأن تكون لي واحدة منهنَّ أحبُّ إليَّ من حُمْرِ النَّعَم، سمعت رسول الله ﷺ يقول له و قد خلَّفه في مغازيه، فقال له عليّ: يا رسول الله، خلَّفْتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله ﷺ: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبوَّةَ بعدي، وسمعته يقول يوم خيبر: لأُعْطينَّ الرَّاية رجلًا يحبُّ الله ورسوله ويحبُّه الله ورسوله، قال: فتطاولنا لها، فقال: ادعوا لي عليًّا، فأُتي به أرْمَدَ فبصق في عَيْنِه ودفع الرَّاية إليه، ففتح الله عليه، ولمّا نزلت هذه الآية: (قل تعالوْا ندعُ أبْناءنا وأبْناءَكم..) [سورة آل عمرآن الآية: 61]، دعا رسول الله ﷺ عليًّا وفاطمة وحسنًا وحُسينًا فقال: اللهم، هؤلاء أهلي”.

قال الإمام النوويُّ رحمه الله في: “شرح صحيح مسلم(15/175)” -شارحًا هذا الحديث-: “قول معاوية هذا، ليس فيه تصريح بأنه أمر سعدًا بسبِّه، وإنما سأله عن السبب المانع له من السبِّ، كأنه يقول: هل امتنعت تورُّعًا أو خوفًا أو غير ذلك. فإن كان تورُّعًا وإجلالًا له عن السبِّ، فأنت مصيب محسن، وإن كان غير ذلك، فله جواب آخر، ولعل سعدًا قد كان في طائفة يسبّون، فلم يسبَّ معهم، وعَجَزَ عن الإنكار، وأنكر عليهم، فسأله هذا السؤال. قالوا: ويحتمل تأويلًا آخر أن معناه: ما منعك أن تخطِّئَه في رأيه واجتهاده، وتُظهر للناس حُسْنَ رأيِنا واجتهادنا، وأنه أخطأ؟” انتهى.

وقال الإمام القرطبيُّ في كتابه: “المـفْهِم في شرح صحيح مسلم ” (6/27) معلقًا على وصف ضرار الصُّدَائيِّ لعليٍّ رضي الله عنه وثنائه عليه بحضور معاوية رضي الله عنه، وبكاء معاوية من ذلك، وتصديقه لضرار فيما قال: “وهذا الحديث يدل على معرفة معاوية بفضل عليٍّ رضي الله عنه، ومنـزلته، وعظيم حقِّه، ومكانته، وعند ذلك يَبْعُدُ على معاوية أن يُصَرِّح بلعنه وسبِّه، لما كان معاوية موصوفًا به من العقل والدِّين، والحِلْمِ وكرم الأخلاق، وما يُروى عنه من ذلك فأكثره كذب لا يصح، وأصح ما فيها قوله لسعد بن أبي وقاص: “ما يمنعك أن تسبَّ أبا تراب؟” وهذا ليس بتصريح بالسبِّ، وإنما هو سؤال عن سبب امتناعه ليستخرج ما عنده من ذلك، أو من نقيضه، كما قد ظهر من جوابه، ولما سمع ذلك معاوية سكت وأذعن، وعرف الحقَّ لمستحِقِّه” انتهى.

وقال الشيخ محمد العربيُّ التَّبَّانيُّ-رحمه الله- في كتابه: “تحذير العبقري من محاضرات الخضري” (2/299-300) رادًّا هذه التهمة: “أقول: لم يثبت عن معاوية رضي الله عنه أنه سبَّ عليًّا أو لعنه مرة واحدة فضلًا عن الاهتمام به والتشهير به على المنابر، وقد تقدَّم ثناؤه وترحُّمُه عليه في أثر ضمرة بن حمزة الكناني وغيره، فكلامه -أي الخضري- هذا باطل لا أصل له عنه، رضي الله عنه “. وقال: “إن الصحابة بشر يصدر منهم في حالة الغضب في حق بعضهم بعضًا ما يصدر من غيرهم”. انتهى.

والله تعالى أعلم.

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *