هل الشياطين لا توسوس في رمضان، فقد أحسست بعكس ذلك؟

الفتوى رقم: 1178 السؤال: هل الشياطين لا توسوس في رمضان، فقد أحسست بعكس ذلك؟

الجواب، وبالله تعالى التوفيق:

فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ، قال: “إذا جاء رمضانُ فُتِّحَتْ أبواب الجنة، وغُلِّقَتْ أبواب النار، وصُفِّدَتِ الشياطين.” وفي رواية: “سُلْسِلَتْ.” وفي رواية للنسائي: “وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ.” وفي رواية عند الترمذيِّ وابن خزيمة: “إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومَرَدَةُ الجِنِّ.” والمراد بالتصفيد؛ إما على الحقيقة ليمتنعوا من إيذاء المؤمنين، أو مسترقو السمع منهم بخاصة، وإما على المجاز، ويكون إشارة إلى كثرة الثواب والعفو، لانكفاف الناس عن المخالفات، وقلة إغواء الشياطين فيصيرون كالمصفَّدين، ويكون تصفيدهم عن أشياء دون أشياء، ولناس دون ناس، ذكر ذلك الإمام النوويُّ الشافعيُّ عن القاضي عياض المالكي في شرحه لصحيح مسلم، والعلَّامة صديق حسن خان في كتابه عون الباري في شرح صحيح البخاري. ويؤيده ما رواه البخاريُّ في صحيحه عن علي بن الحسين رضي الله عنهما قال: “إن صفيةَ زوجَ النبيِّ ﷺ أخبرته أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثت عنده ساعة، ثم قامت تنقلب فقام النبيُّ ﷺ معها يقلبها، حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أمِّ سلمة مرَّ رجلان من الأنصار فسلَّما على رسول الله ﷺ فقال لهما النبيُّ ﷺ: على رِسْلِكُما، إنها صفيةُ بنت حُيَي، فقالا: سبحان الله يا رسول الله، وكَبُرَ عليهما، فقال النبيُّ ﷺ: إن الشيطان يبلغ من ابن آدم مبلغَ الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا.” قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه “فتح الباري” (4/114): “قوله: “وسُلسِلت الشياطين”: قال الحليمي: يحتمل أن يكون المراد من الشياطين مسترقي السمع منهم، وأنَّ تَسَلْسُلَهم يقع في ليالي رمضان دون أيامه؛ لأنهم كانوا مُنعوا في زمن نزول القرآن من استراق السمع فزيدوا التسلسل مبالغة في الحفظ، ويحتمل أن يكون المراد أن الشياطين لا يَخْلُصُون من افتتان المسلمين إلى ما يخلصون إليه في غيره لاشتغالهم بالصيام الذي فيه قمع الشهوات وبقراءة القرآن والذكر، وقال غيره: المراد بالشياطين بعضهم، وهم المردة منهم، وترجم لذلك ابن خزيمة في صحيحه، وأورد ما أخرجه هو والترمذيُّ والنسائيُّ وابن ماجه والحاكم من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: “إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صُفِّدت الشياطين ومَرَدَة الجن.” وأخرجه النسائيُّ من طريق أبي قلابة عن أبي هريرة بلفظ: “وتُغَلُّ فيه مردة الشياطين.” زاد أبو صالح في روايته: “وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، ونادى منادٍ: يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة.” لفظ ابن خزيمة. وقوله: “صفدت” بالمهملة المضمومة بعدها فاء ثقيلة مكسورة، أي شُدَّتْ بالأصفاد، وهي الأغلال، وهو بمعنى سلسلت، ونحوه للبيهقي من حديث ابن مسعود وقال فيه: “فتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب الشهر كله. “قال القاضي عياض: يحتمل أنه في ظاهره وحقيقته، وأن ذلك كلَّه علامةٌ للملائكة لدخول الشهر وتعظيم حرمته، ولمنع الشياطين من أذى المؤمنين، ويحتمل أن يكون إشارة إلى كثرة الثواب والعفو، وأن الشياطين يقل إغواؤهم فيصيرون كالمصفَّدين، قال: ويؤيد هذا الاحتمال الثاني قوله في رواية يونس عن ابن شهاب عند مسلم: “فتحت أبواب الرحمة” قال: ويحتمل أن يكون فتح أبواب الجنة عبارة عما يفتحه الله لعباده من الطاعات، وذلك أسباب لدخول الجنة وغلق أبواب النار عبارة عن صرف الهمم عن المعاصي الآيلة بأصحابها إلى النار، وتصفيد الشياطين عبارة عن تعجيزهم عن الإغواء وتزيين الشهوات، قال الزين بن المنير: والأول أَوْجَهُ ولا ضرورةَ تدعو إلى صرف اللفظ عن ظاهره. وقال القرطبي -بعد أن رجَّح حملَه على ظاهره-: فإن قيل: كيف نرى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيرًا، فلو صفدت الشياطين لم يقع ذلك: فالجواب: أنها إنما تُغَلُّ عن الصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه وروعيت آدابه، أو المصفَّد بعضُ الشياطين وهم المردة لا كلهم، كما تقدم في بعض الروايات، أو المقصود تقليل الشرور فيه، وهذا أمر محسوس، فإن وقوع ذلك فيه أقل من غيره، إذ لا يلزم من تصفيد جميعهم أن لا يقع شرٌّ ولا معصية؛ لأن لذلك أسبابًا غير الشياطين كالنفوس الخبيثة والعادات القبيحة والشياطين الإنسية”. انتهى.

بناء عليه: فإن توجيه أهل العلم للحديث يحتمل هذه التفسيراتِ كلَّها، وينبغي أن لا نغفل عن وساوس النفس الأمَّارة بالسوء وهذا لا يتوقف في رمضان، وكذلك قرين الإنسان الذي يدعوه إلى العصيان، وكذلك الهوى الذي يتلاعب أحيانًا بالإنسان.

والله تعالى أعلم.

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *