هل يجوز التوسُّل بالنبيِّ ﷺ؟

الفتوى رقم: 1107 السؤال: هل يجوز التوسُّل بالنبيِّ ﷺ؟

الجواب، وبالله تعالى التوفيق:

فإن مسألة التوسُّل بالنبيِّ، أو بالجاه -بعد وفاته ﷺ- من المسائل التي كثر الكلام حولها وتسبَّب الجهلُ بها بصراعات بين المسلمين -فمنهم من يكفِّر أو يفسِّق أو يبدِّع-، وقد تكلَّم العلماء قديمًا في هذه المسألة؛ وإليك التفصيل مع الأدلة ملخَّصًا من الموسوعة الفقهية الكويتية (14/156إلى 164):

“اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ التوسُّل بالنبيِّ ﷺ بَعْدَ وَفَاتِهِ، كَقَوْل الْقَائِل: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُك بِنَبِيِّك، أَوْ بِجَاهِ نَبِيَّك، أَوْ بِحَقِّ نَبِيَّك، عَلَى أَقْوَالٍ:

التوسُّل بالنبيِّ ﷺ – القول الأول: مذهب جمهور الفقهاء

الْقَوْل الأْوَّل: مذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ -الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَمُتَأَخِّرُو الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ- إِلَى جَوَازِ هَذَا النَّوْعِ مِنَ التَّوَسُّل سَوَاءٌ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ بَعْدَ وَفَاتِهِ (انظر “شرح المواهب” (8/304)، و”المجموع” (8/274) و”المدخل” (1/248) وما بعدها، و”ابن عابدين” (5/254)، و”الفتاوى الهندية” (1/266)،(5/318)، و”فتح القدير” (8/497–498)، و”الفتوحات الربانية على الأذكار النووية” (5/36).

رُوِيَ: “أَنَّ مَالِكًا لَمَّا سَأَلَهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ الْعَبَّاسِيُّ -ثَانِي خُلَفَاء بَنِي الْعَبَّاسِ- يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَأَسْتَقْبِل رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَدْعُو أَمْ أَسْتَقْبِل الْقِبْلَةَ وَأَدْعُو؟ فَقَال لَهُ مَالِكٌ: وَلِمَ تَصْرِفْ وَجْهَك عَنْهُ وَهُوَ وَسِيلَتُك وَوَسِيلَةُ أَبِيك آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ بَل اسْتَقْبِلْهُ وَاسْتَشْفِعْ بِهِ فَيُشَفِّعُهُ اللَّهُ.”

قَال العلَّامة الْقَسْطَلَّانِيُّ رحمه الله تعالى:” وَقَدْ رُوِيَ: “أَنَّ مَالِكًا لَمَّا سَأَلَهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ الْعَبَّاسِيُّ -ثَانِي خُلَفَاء بَنِي الْعَبَّاسِ- يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَأَسْتَقْبِل رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَدْعُو أَمْ أَسْتَقْبِل الْقِبْلَةَ وَأَدْعُو؟ فَقَال لَهُ مَالِكٌ: وَلِمَ تَصْرِفْ وَجْهَك عَنْهُ وَهُوَ وَسِيلَتُك وَوَسِيلَةُ أَبِيك آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ بَل اسْتَقْبِلْهُ وَاسْتَشْفِعْ بِهِ فَيُشَفِّعُهُ اللَّهُ.” وَقَدْ رَوَى هَذِهِ الْقِصَّةَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ فِهْرٍ فِي كِتَابِهِ “فَضَائِل مَالِكٍ” بِإِسْنَادٍ لاَ بَأْسَ بِهِ، وَأَخْرَجَهَا الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الشِّفَاءِ مِنْ طَرِيقِهِ عَنْ شُيُوخٍ عِدَّةٍ مِنْ ثِقَاتِ مَشَايِخِهِ”. اهـ (انظر: “شرح المواهب”(8/304-305)، و”المدخل” (1/248، 252)، و”وفاء الوفاء” (4/1371) وما بعدها، و”الفواكه الدواني” (2/466)، و”شرح أبي الحسن على رسالة القيرواني”(2/478)، و”القوانين الفقهية” ص148.)

وَقَال الإمام النَّوَوِيُّ رحمه الله تعالى فِي بَيَانِ آدَابِ زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ: “ثُمَّ يَرْجِعُ الزَّائِرُ إِلَى مَوْقِفٍ قُبَالَةَ وَجْهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَيَتَوَسَّل بِهِ وَيَسْتَشْفِعُ بِهِ إِلَى رَبِّهِ، وَمِنْ أَحْسَنِ مَا يَقُول -الزَّائِرُ- مَا حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَسَائِرُ أَصْحَابِنَا عَنِ الْعُتْبِيِّ -مُسْتَحْسِنِينَ لَهُ- قَال: “كُنْت جَالِسًا عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَال: السَّلاَمُ عَلَيْك يَا رَسُول اللَّهِ. سَمِعْتُ اللَّهَ تَعَالَى يَقُول: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوك فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا) [سورة النساء الآية: 64 ]، وَقَدْ جِئْتُك مُسْتَغْفِرًا مِنْ ذَنْبِي مُسْتَشْفِعًا بِك إِلَى رَبِّي. ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُول:

يَا خَيْرَ مَنْ دُفِنَتْ بِالْقَاعِ أَعْظُمُهُ فطَابَ مِنْ طِيبِهِنَّ الْقَاعُ وَالأْكَمُ
نَفْسِي الْفِدَاءُ لِقَبْرٍ أَنْتَ سَاكِنُهُ فِيهِ الْعَفَافُ وَفِيهِ الْجُودُ وَالْكَرْمُ “اهـ.

وَقَال الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ الشافعيُّ رحمه الله تعالى: “يَنْبَغِي كَوْنُ هَذَا مَقْصُورًا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ؛ لأِنَّهُ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، وَأَنْ لاَ يُقْسَمَ عَلَى اللَّهِ بِغَيْرِهِ مِنَ الأْنْبِيَاءِ وَالْمَلاَئِكَةِ الأْوْلِيَاءِ؛ لأِنَّهُمْ لَيْسُوا فِي دَرَجَتِهِ، وَأَنْ يَكُونَ مِمَّا خُصَّ بِهِ؛ تَنْبِيهًا عَلَى عُلُوِّ رُتْبَتِهِ.” اهـ.

وَقَال الإمام السُّبْكِيُّ رحمه الله: “وَيَحْسُنُ التَّوَسُّل وَالاِسْتِغَاثَةُ وَالتَّشَفُّعُ بِالنَّبِيِّ إِلَى رَبِّهِ”. وَفِي إِعَانَةِ الطَّالِبِينَ شرح فتح المعين: “… وَقَدْ جِئْتُكَ مُسْتَغْفِرًا مِنْ ذَنْبِيَ مُسْتَشْفِعًا بِك إِلَى رَبِّي” اهـ. (انظر: “المجموع” (8/274)، و”فيض القدير” (2/134 – 135) و”إعانة الطالبين” (2/315)، و”مقدمة التجريد الصريح” بتحقيق الدكتور مصطفى ديب البغا.)

وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ قَال الفقيه ابْنُ قُدَامَةَ رحمه الله فِي كتابه: “الْمُغْنِي” بَعْدَ أَنْ نَقَل قِصَّةَ الْعُتْبِيِّ مَعَ الأْعْرَابِيِّ: “وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ دَخَل الْمَسْجِدَ أَنْ يُقَدِّمَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى… إِلَى أَنْ قَال: ثُمَّ تَأْتِيَ الْقَبْرَ فَتَقُول… وَقَدْ أَتَيْتُك مُسْتَغْفِرًا مِنْ ذُنُوبِي مُسْتَشْفِعًا بِك إِلَى رَبِّي…” اهـ (انظر: “كشاف القناع” (2/68)، و”المبدع” (2/204)، و”الفروع” (2/159) و”المغني مع الشرح” (3/588) وما بعدها، و”الشرح الكبير مع المغني” (3/494 – 495)، و”الإنصاف”(2/456).

وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ صَرَّحَ مُتَأَخِّرُوهُمْ أَيْضًا بِجَوَازِ التوسُّل بالنبيِّ ﷺ. قَال العلَّامة الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ رحمه الله فِي كتابه: “فَتْحِ الْقَدِيرِ على الهداية، شرح بداية المبتدي”: “ثُمَّ يَقُول فِي مَوْقِفِهِ: السَّلاَمُ عَلَيْك يَا رَسُول اللَّهِ… وَيَسْأَل اللَّهَ تَعَالَى حَاجَتَهُ مُتَوَسِّلاً إِلَى اللَّهِ بِحَضْرَةِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.”اهـ. وَمِثْلُهُ فِي “مَرَاقِي الْفَلاَحِ”، وَ”الطَّحَاوِيُّ عَلَى الدُّرِّ الْمُخْتَارِ”، وَ”الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ”، و”الاِخْتِيَارِ لتعليل المختار”. وَنَصُّ هَؤُلاَءِ: “عِنْدَ زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ اللَّهُمَّ… وَقَدْ جِئْنَاكَ سَامِعِينَ قَوْلَك طَائِعِينَ أَمْرَك مُسْتَشْفِعِينَ بِنَبِيِّك إِلَيْكَ”. (انظر: “الاختيار” (1/174 – 175)، و”فتح القدير”(2/337) و”مراقي الفلاح” “بحاشية الطحطاوي” ص407، و”حاشية الطحطاوي على الدر المختار”(1/562)، و”الفتاوى الهندية”(1/266).

وَقَال العلَّامة الشَّوْكَانِيُّ رحمه الله في كتابه: “تحفة الذاكرين” ص37: “وَيَتَوَسَّل إِلَى اللَّهِ بِأَنْبِيَائِهِ وَالصَّالِحِينَ”. اهـ.

أدلّة الجمهور

وَقَدِ اسْتَدَلَّ – الجمهور – لِمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِمَا يَأْتِي:

أ- قَوْله تَعَالَى: (وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ) [سورة المائدة آية 35].

ب- ما رواه الترمذيُّ وابن ماجه وأحمدُ من حديث عثمانَ بنِ حنيفٍ رضي الله عنه: “أن رجلًا ضرير البصر أتى النبيَّ ﷺ، فقال: ادع الله أن يعافيَني، قال: إن شئتَ دعوتُ، وإن شئتَ صبرتَ فهو خير لك، قال: فادْعُه، قال: فأمره أن يتوضأ فيُحسن وضوءه، ويدعو بهذا الدعاء: “اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّك مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتُقضَى لي، اللهم فشفِّعه فيَّ:”. فَقَدْ تَوَجَّهَ الأْعْمَى فِي دُعَائِهِ بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، أَيْ: بِذَاتِهِ.

ج- قَوْلُهُ ﷺ فِي الدُّعَاءِ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَسَدٍ رضي الله عنها: “اغْفِرْ لأِمِّي فَاطِمَةَ بِنْتِ أَسَدٍ (لما كان لها من فضل في حسن رعاية النبيِّ ﷺ) وَوَسِّعْ عَلَيْهَا مُدْخَلَهَا بِحَقِّ نَبِيِّك وَالأْنْبِيَاءِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِي فَإِنَّك أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ”. أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط كما في مجمع الزوائد للهيثمي(9/257).

د – تَوَسُّل آدَمَ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي “دَلاَئِل النُّبُوَّةِ” وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: “لَمَّا اقْتَرَفَ آدَمُ الْخَطِيئَةَ قَال: يَا رَبِّ أَسْأَلُك بِحَقِّ مُحَمَّدٍ لَمَا غَفَرْتَ لِي، فَقَال اللَّهُ تَعَالَى: يَا آدَمُ كَيْفَ عَرَفْتَ مُحَمَّدًا وَلَمْ أَخْلُقْهُ؟ قَال: يَا رَبِّ إِنَّكَ لَمَّا خَلَقْتنِي رَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ عَلَى قَوَائِمِ الْعَرْشِ مَكْتُوبًا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُول اللَّهِ، فَعَلِمْتُ أَنَّك لَمْ تُضِفْ إِلَى اسْمِك إِلاَّ أَحَبَّ الْخَلْقِ إِلَيْك، فَقَال اللَّهُ تَعَالَى: صَدَقْتَ يَا آدَمُ، إِنَّهُ لأَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَيَّ، وَإِذْ سَأَلْتنِي بِحَقِّهِ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ، وَلَوْلاَ مُحَمَّدٌ مَا خَلَقْتُك” أخرجه الحاكم في مستدركه وصحَّحه، وتعقَّب الذهبيُّ تصحيحَ الحاكم في تلخيص المستدرك بقوله: “بل موضوع، وعبد الرحمن واه”.

هـ – ما رَوَاه الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ: “أَنَّ رَجُلاً كَانَ يَخْتَلِفُ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي زَمَنِ خِلاَفَتِهِ، فَكَانَ لاَ يَلْتَفِتُ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ فِي حَاجَتِهِ، فَشَكَا ذَلِكَ لِعُثْمَانِ بْنِ حُنَيْفٍ، فَقَال لَهُ: ائْتِ الْمِيضَأَةَ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ ائْتِ الْمَسْجِدَ فَصَل، ثُمَّ قُل: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُك وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْك بِنَبِيِّك مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِك إِلَى رَبِّك فَيَقْضِي لِي حَاجَتِي، وَتَذْكُرُ حَاجَتَكَ، فَانْطَلَقَ الرَّجُل فَصَنَعَ ذَلِكَ ثُمَّ أَتَى بَابَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَجَاءَ الْبَوَّابُ فَأَخَذَ بِيَدِهِ، فَأَدْخَلَهُ عَلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَجْلَسَهُ مَعَهُ، وَقَال لَهُ: اُذْكُرْ حَاجَتَك، فَذَكَرَ حَاجَتَهُ فَقَضَاهَا لَهُ، ثُمَّ قَال: مَا لَكَ مِنْ حَاجَةٍ فَاذْكُرْهَا ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ فَلَقِيَ ابْنَ حُنَيْفٍ فَقَال لَهُ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، مَا كَانَ يَنْظُرُ لِحَاجَتِي حَتَّى كَلَّمْتَهُ لِي، فَقَال ابْنُ حُنَيْفٍ، وَاَللَّهِ مَا كَلَّمْتُهُ وَلَكِنْ شَهِدْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَتَاهُ ضَرِيرٌ فَشَكَا إِلَيْهِ ذَهَابَ بَصَرِهِ..” أخرجه الطبراني في “معجمه الصغير”(1/183).

التوسُّل بالنبيِّ ﷺ – القول الثاني

الْقَوْل الثَّانِي: جَاءَ فِي التتارخانية -من كتب الأحناف- مَعْزِيًّا لِلْمُنْتَقَى: “رَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: لاَ يَنْبَغِي لأِحَدٍ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ إِلاَّ بِهِ -أَيْ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ- وَالدُّعَاءُ الْمَأْذُونُ فِيهِ الْمَأْمُورُ بِهِ مَا اُسْتُفِيدَ مِنْ قَوْله تَعَالَى: (وَلِلَّهِ الأْسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) [سورة الأعراف الآية180]. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِهِ، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو اللَّيْثِ لِلأْثَرِ. وَفِي الدُّرِّ: وَالأْحْوَطُ الاِمْتِنَاعُ لِكَوْنِهِ خَبَرَ وَاحِدٍ فِيمَا يُخَالِفُ الْقَطْعِيَّ، إِذِ الْمُتَشَابِهُ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِالْقَطْعِيِّ. أَمَّا التَّوَسُّل بِمِثْل قَوْل الْقَائِل: بِحَقِّ رُسُلِك وَأَنْبِيَائِك وَأَوْلِيَائِك، أَوْ بِحَقِّ الْبَيْتِ فَقَدْ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى كَرَاهَتِهِ. قَال الْحَصْكَفِيُّ: لأِنَّهُ لاَ حَقَّ لِلْخَلْقِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا يَخُصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ غَيْرِ وُجُوبٍ عَلَيْهِ.” اهـ (“رد المحتار لابن عابدين” (5/254) و”الفتاوى الهندية” (1/266 ــــ 5/318)، و”فتح القدير” (8/497 – 498)، و”حاشية الطحطاوي على الدر المختار” (4/199).

قَال ابْنُ عَابِدِينَ الحنفي رحمه الله: “قَدْ يُقَال: إِنَّهُ لاَ حَقَّ لَهُمْ وُجُوبًا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لَكِنِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جَعَل لَهُمْ حَقًّا مِنْ فَضْلِهِ، أَوْ يُرَادُ بِالْحَقِّ الْحُرْمَةُ وَالْعَظَمَةُ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْوَسِيلَةِ، وَقَدْ قَال الله تَعَالَى: (وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ) [سورة المائدة الآية 35 ]. وَقَدْ عُدَّ مِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ التَّوَسُّل عَلَى مَا فِي “الْحِصْنِ” وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ: “اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُك بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْك، وَبِحَقِّ مَمْشَايَ إِلَيْك، فَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشَرًا وَلاَ بَطَرًا..” الْحَدِيثَ. وَيُحْتَمَل أَنْ يُرَادَ بِحَقِّهِمْ عَلَيْنَا وُجُوبُ الإِْيمَانِ بِهِمْ وَتَعْظِيمِهِمْ. وَفِي “الْيَعْقُوبِيَّةِ”: يُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ مَصْدَرًا لاَ صِفَةً مُشَبَّهَةً، فَالْمَعْنَى بِحَقِّيَّةِ رُسُلِك، فَلْيُتَأَمَّل. -أَيْ: الْمَعْنَى بِكَوْنِهِمْ حَقًّا لاَ بِكَوْنِهِمْ مُسْتَحِقِّينَ. أَقُول -أَيْ ابْنُ عَابِدِينَ-: لَكِنْ هَذِهِ كُلُّهَا احْتِمَالاَتٌ مُخَالِفَةٌ لِظَاهِرِ الْمُتَبَادَرِ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ، وَمُجَرَّدُ إِيهَامِ اللَّفْظِ مَا لاَ يَجُوزُ كَافٍ فِي الْمَنْعِ… فَلِذَا -وَاَللَّهُ أَعْلَمُ- أَطْلَقَ أَئِمَّتُنَا الْمَنْعَ، عَلَى أَنَّ إِرَادَةَ هَذِهِ الْمَعَانِي مَعَ هَذَا الإْيهَامِ فِيهَا الإْقْسَامُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ مَانِعٌ آخَرُ، تَأَمَّل”. اهـ (انظر: “رد المحتار لابن عابدين” (5/254)، و”الفتاوى الهندية” (1/266، 5/318)، و”فتح القدير” (8/497، 498)، و”الطحطاوي على الدر”(4/199).

التوسُّل بالنبيِّ ﷺ – القول الثالث

الْقَوْل الثَّالِثِ: ذَهَبَ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ رحمه الله وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ إِلَى أَنَّ التَّوَسُّل بِذَاتِ النَّبِيِّ ﷺ لاَ يَجُوزُ، وَأَمَّا التَّوَسُّل بِغَيْرِ الذَّاتِ فَقَدْ قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ رحمه الله في كتابه: “قاعدة جليلة” ص51:

“وَلَفْظُ التَّوَسُّل قَدْ يُرَادُ بِهِ ثَلاَثَةُ أُمُورٍ. أَمْرَانِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ:

وَمَنْ أَنْكَرَ التَّوَسُّل بِهِ بِأَحَدِ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ فَهُوَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلاَّ قُتِل مُرْتَدًّا.

أَحَدُهُمَا: هُوَ أَصْل الإْيمَانِ وَالإْسْلاَمِ، وَهُوَ التَّوَسُّل بِالإْيمَانِ بِهِ ﷺ وَبِطَاعَتِهِ.

وَالثَّانِي: دُعَاؤُهُ وَشَفَاعَتُهُ ﷺ -أَيْ فِي حَال حَيَاتِهِ- وَهَذَا أَيْضًا نَافِعٌ يَتَوَسَّل بِهِ مَنْ دَعَا لَهُ وَشَفَعَ فِيهِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. وَمَنْ أَنْكَرَ التَّوَسُّل بِهِ بِأَحَدِ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ فَهُوَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلاَّ قُتِل مُرْتَدًّا. وَلَكِنِ التَّوَسُّل بِالإْيمَانِ بِهِ وَبِطَاعَتِهِ هُوَ أَصْل الدِّينِ، وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالاِضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الإْسْلاَمِ لِلْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ، فَمَنْ أَنْكَرَ هَذَا الْمَعْنَى فَكُفْرُهُ ظَاهِرٌ لِلْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ. وَأَمَّا دُعَاؤُهُ وَشَفَاعَتُهُ وَانْتِفَاعُ الْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ فَمَنْ أَنْكَرَهُ فَهُوَ كَافِرٌ أَيْضًا، لَكِنْ هَذَا أَخْفَى مِنَ الأْوَّل، فَمَنْ أَنْكَرَهُ عَنْ جَهْلٍ عُرِّفَ ذَلِكَ، فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى إِنْكَارِهِ فَهُوَ مُرْتَدٌّ. أَمَّا دُعَاؤُهُ وَشَفَاعَتُهُ فِي الدُّنْيَا فَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْل الْقِبْلَةِ، وَأَمَّا الشَّفَاعَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَذْهَبُ أَهْل السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَهُمُ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَسَائِرُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الأْرْبَعَةِ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ لَهُ شَفَاعَاتٍ خَاصَّةً وَعَامَّةً.

وَأَمَّا التوسُّل بالنبيِّ ﷺ وَالتَّوَجُّهُ بِهِ فِي كَلاَمِ الصَّحَابَةِ فَيُرِيدُونَ بِهِ التَّوَسُّل بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ. وَالتَّوَسُّل بِهِ فِي عُرْفِ كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ يُرَادُ بِهِ الإقْسَامُ بِهِ وَالسُّؤَال بِهِ، كَمَا يُقْسِمُونَ بِغَيْرِهِ مِنَ الأْنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَمَنْ يُعْتَقَدُ فِيهِ الصَّلاَحَ. وَحِينَئِذٍ فَلَفْظُ التَّوَسُّل بِهِ يُرَادُ بِهِ مَعْنَيَانِ صَحِيحَانِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَيُرَادُ بِهِ مَعْنًى ثَالِثٌ لَمْ تَرِدْ بِهِ سُنَّةٌ.

وَمِنَ الْمَعْنَى الْجَائِزِ قَوْل عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: “اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا إِذَا أَجْدَبْنَا تَوَسَّلْنَا إِلَيْك بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا وَإِنَّا نَتَوَسَّل إِلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا” أَيْ: بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ. وقَوْله تَعَالَى: (وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ) [سورة المائدة الآية35]. أَيْ: الْقُرْبَةَ إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ، وَطَاعَةُ رَسُولِهِ طَاعَتُهُ. قَال تَعَالَى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُول فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) سورة النساء/8. فَهَذَا التَّوَسُّل الأْوَّل هُوَ أَصْل الدِّينِ، وَهَذَا لاَ يُنْكِرُهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.

وَأَمَّا التَّوَسُّل بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ -كَمَا قَال عُمَرُ رضي الله عنه، فَإِنَّهُ تَوَسُّلٌ بِدُعَائِهِ لاَ بِذَاتِهِ؛ وَلِهَذَا عَدَلُوا عَنِ التَّوَسُّل بِهِ -أَيْ بَعْدَ وَفَاتِهِ- إِلَى التَّوَسُّل بِعَمِّهِ الْعَبَّاسِ، وَلَوْ كَانَ التَّوَسُّل هُوَ بِذَاتِهِ لَكَانَ هَذَا أَوْلَى مِنَ التَّوَسُّل بِالْعَبَّاسِ، فَلَمَّا عَدَلُوا عَنِ التَّوَسُّل بِهِ إِلَى التَّوَسُّل بِالْعَبَّاسِ، عُلِمَ أَنَّ مَا يُفْعَل فِي حَيَاتِهِ قَدْ تَعَذَّرَ بِمَوْتِهِ. بِخِلاَفِ التَّوَسُّل الَّذِي هُوَ الإْيمَانُ بِهِ، وَالطَّاعَةُ لَهُ، فَإِنَّهُ مَشْرُوعٌ دَائِمًا.

التَّوَسُّل بِهِ بِمَعْنَى الإقْسَامِ عَلَى اللَّهِ بِذَاتِهِ، وَالسُّؤَال بِذَاتِهِ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي لَمْ يَكُنِ الصَّحَابَةُ يَفْعَلُونَهُ فِي الاِسْتِسْقَاءِ وَنَحْوِهِ، لاَ فِي حَيَاتِهِ وَلاَ بَعْدَ مَمَاتِهِ، لاَ عِنْدَ قَبْرِهِ وَلاَ غَيْرِ قَبْرِهِ

وَالْمَعْنَى الثَّالِثُ: التَّوَسُّل بِهِ بِمَعْنَى الإقْسَامِ عَلَى اللَّهِ بِذَاتِهِ، وَالسُّؤَال بِذَاتِهِ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي لَمْ يَكُنِ الصَّحَابَةُ يَفْعَلُونَهُ فِي الاِسْتِسْقَاءِ وَنَحْوِهِ، لاَ فِي حَيَاتِهِ وَلاَ بَعْدَ مَمَاتِهِ، لاَ عِنْدَ قَبْرِهِ وَلاَ غَيْرِ قَبْرِهِ، وَلاَ يُعْرَفُ هَذَا فِي شَيْءٍ مِنَ الأْدْعِيَةِ الْمَشْهُورَةِ بَيْنَهُمْ، وَإِنَّمَا يُنْقَل شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي أَحَادِيثَ ضَعِيفَةٍ مَرْفُوعَةٍ وَمَوْقُوفَةٍ، أَوْ عَمَّنْ لَيْسَ قَوْلُهُ حُجَّةً.. -ثُمَّ يَقُول ابْنُ تَيْمِيَّةَ- وَالْحَلِفُ بِالْمَخْلُوقَاتِ حَرَامٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَقَدْ حُكِيَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ. وَقِيل: هُوَ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ. وَالأْوَّل أَصَحُّ. فَالإْقْسَامُ بِالنَّبِيِّ ﷺ عَلَى اللَّهِ -وَالسُّؤَال بِهِ بِمَعْنَى الإقْسَامِ- هُوَ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ… -وَيَذْهَبُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ إِلَى أَنَّ التَّوَسُّل بِلَفْظِ “أَسْأَلُكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ” يَجُوزُ إِذَا كَانَ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ، فَيَقُول فِي ذَلِكَ-: فَإِنْ قِيل: إِذَا كَانَ التَّوَسُّل بِالإْيمَانِ بِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَطَاعَتِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: تَارَةً يَتَوَسَّل بِذَلِكَ إِلَى ثَوَابِ اللَّهِ وَجَنَّتِهِ -وَهَذَا أَعْظَمُ الْوَسَائِل- وَتَارَةً يَتَوَسَّل بِذَلِكَ فِي الدُّعَاءِ -كَمَا ذَكَرْتُمْ نَظَائِرَهُ- فَيُحْمَل قَوْل الْقَائِل: “أَسْأَلُكَ بِنَبِيِّك مُحَمَّدٍ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ: إِنِّي أَسْأَلُك بِإِيمَانِي بِهِ وَبِمَحَبَّتِهِ، وَأَتَوَسَّل إِلَيْك بِإِيمَانِي بِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرْتُمْ أَنَّ هَذَا جَائِزٌ بِلاَ نِزَاعٍ. قِيل: مَنْ أَرَادَ هَذَا الْمَعْنَى فَهُوَ مُصِيبٌ فِي ذَلِكَ بِلاَ نِزَاعٍ، وَإِذَا حُمِل عَلَى هَذَا الْمَعْنَى لِكَلاَمِ مَنْ تَوَسَّل بِالنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ مَمَاتِهِ مِنَ السَّلَفِ، كَمَا نُقِل عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَعَنْ الإْمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، كَانَ هَذَا حَسَنًا، وَحِينَئِذٍ فَلاَ يَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ نِزَاعٌ، وَلَكِنْ كَثِيرٌ مِنَ الْعَوَّامِ يُطْلِقُونَ هَذَا اللَّفْظَ، وَلاَ يُرِيدُونَ هَذَا الْمَعْنَى، فَهَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ مَنْ أَنْكَرَ، وَهَذَا كَمَا أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُرِيدُونَ بِالتَّوَسُّل بِهِ التَّوَسُّل بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ وَهَذَا جَائِزٌ بِلاَ نِزَاعٍ.. ثُمَّ يَقُول: وَاَلَّذِي قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ -مِنْ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَسْأَل اللَّهَ تَعَالَى بِمَخْلُوقٍ لاَ بِحَقِّ الأْنْبِيَاءِ وَلاَ غَيْرِ ذَلِكَ- يَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ: أَحَدَهُمَا: الإْقْسَامَ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِهِ، وَهَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ، كَمَا يُنْهَى أَنْ يُقْسَمَ عَلَى اللَّهِ بِالْكَعْبَةِ وَالْمَشَاعِرِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. وَالثَّانِيَ: السُّؤَال بِهِ فَهَذَا يُجَوِّزُهُ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ، وَنُقِل فِي ذَلِكَ آثَارٌ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي دُعَاءِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، لَكِنْ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ضَعِيفٌ بَل مَوْضُوعٌ، وَلَيْسَ عَنْهُ حَدِيثٌ ثَابِتٌ قَدْ يُظَنُّ أَنَّ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةً إِلاَّ حَدِيثَ الأْعْمَى الَّذِي عَلَّمَهُ أَنْ يَقُول: “أَسْأَلُك وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْك بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ”. وَحَدِيثُ الأْعْمَى لاَ حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ إِنَّمَا تَوَسَّل بِدُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَشَفَاعَتِهِ، وَهُوَ طَلَبَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ الدُّعَاءَ، وَقَدْ أَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقُول: “اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ” وَلِهَذَا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ لَمَّا دَعَا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَكَانَ ذَلِكَ يُعَدُّ مِنْ آيَاتِ النَّبِيِّ ﷺ. وَلَوْ تَوَسَّل غَيْرُهُ مِنَ الْعُمْيَانِ الَّذِينَ لَمْ يَدْعُ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالسُّؤَال بِهِ لَمْ تَكُنْ حَالُهُمْ كَحَالِهِ”. اهـ قاعدة جليلة ص64 – 66

ثُمَّ يُقَرِّرُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ خِلاَفِيَّةٌ وَأَنَّ التَّكْفِيرَ فِيهَا حَرَامٌ وَإِثْمٌ

وَهَذَا التَّوَسُّل بِالأنْبِيَاءِ بِمَعْنَى السُّؤَال بِهِمْ -وَهُوَ الَّذِي قَال أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَغَيْرُهُمْ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ- لَيْسَ فِي الْمَعْرُوفِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ مَا يُنَاقِضُ ذَلِكَ، فَمَنْ نَقَل عَنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ جَوَّزَ التَّوَسُّل بِهِ بِمَعْنَى الإقْسَامِ أَوِ السُّؤَال بِهِ فَلَيْسَ مَعَهُ فِي ذَلِكَ نَقْلٌ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ. ثُمَّ يَقُول: وَلَمْ يَقُل أَحَدٌ مِنَ أَهْل الْعِلْمِ: إِنَّهُ يَسْأَل اللَّهَ تَعَالَى فِي ذَلِكَ لاَ بِنَبِيٍّ وَلاَ بِغَيْرِ نَبِيٍّ. وَكَذَلِكَ مَنْ نَقَل عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ جَوَّزَ سُؤَال الرَّسُول أَوْ غَيْرِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ أَوْ نَقَل ذَلِكَ عَنْ إِمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ -غَيْرِ مَالِكٍ- كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا فَقَدْ كَذَبَ عَلَيْهِمْ. اهـ.

ثُمَّ يُقَرِّرُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ خِلاَفِيَّةٌ وَأَنَّ التَّكْفِيرَ فِيهَا حَرَامٌ وَإِثْمٌ. قاعدة جليلة ص64 – 66. وَيَقُول بَعْدَ ذِكْرِ الْخِلاَفِ فِي الْمَسْأَلَةِ: “وَلَمْ يَقُل أَحَدٌ: إِنَّ مَنْ قَال بِالْقَوْل الأْوَّل فَقَدْ كَفَرَ، وَلاَ وَجْهَ لِتَكْفِيرِهِ، فَإِنَّ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ خَفِيَّةٌ لَيْسَتْ أَدِلَّتُهَا جَلِيَّةً ظَاهِرَةً، وَالْكُفْرُ إِنَّمَا يَكُونُ بِإِنْكَارِ مَا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، أَوْ بِإِنْكَارِ الأحْكَامِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَالْمُجْمَعِ عَلَيْهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ. بَل الْمُكَفِّرُ بِمِثْل هَذِهِ الأْمُورِ يَسْتَحِقُّ مِنْ غَلِيظِ الْعُقُوبَةِ وَالتَّعْزِيرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ أَمْثَالُهُ مِنَ الْمُفْتَرِينَ عَلَى الدِّينِ، لاَ سِيَّمَا مَعَ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: “أَيُّمَا رَجُلٍ قَال لأِخِيهِ: يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَا” أخرجه البخاري ومسلم في صحيحَيْهما من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. (انظر “مجموع فتاوى ابن تيمية” (1/106).

والله تعالى أعلم.

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *