اشتريت قطعة أرض، ثم تبين لي أن فيها قبورًا لجنود فرنسيين، فهل يجوز لي الانتفاع بها؟

الفتوى رقم: 942 السؤال: اشتريت قطعة أرض، ثم تبين لي أن فيها قبورًا لجنود فرنسيين، فهل يجوز لي الانتفاع بها؟

الجواب، وبالله تعالى التوفيق:

فإن هذه المسألة لها صور متعددة، يختلف فيها الحكم الشرعي بناء على تلك الصور؛ ففي مسألتنا: أن الأرض اشْتُرِيَتْ وتبيَّن أن فيها قبورًا لغير المسلمين، فالجواب: ذهب جمهور الفقهاء من الحنفيَّة والشافعيَّة والحنابلة إلى جواز نبش القبور والانتفاع بها في سائر الوجوه المباحة؛ كالبناء، والزراعة، والدفن… بشرط أن تَنْدَرِسَ -أي يكون قد بَلِيَ فيها الأموات ولم يبق لهم أثر- خلافًا للمالكية الذين منعوا الزراعة والبناء، وأجازوا الدفن فقط.

قال الفقيه ابن عابدين الحنفي رحمه الله في كتابه “رد المحتار على الدر المختار” (3/138-139): “قال الزيلعي: ولو بَلِيَ الميت وصار ترابًا، جاز دفنُ غيره في قبره وزرعه والبناء عليه. قال في الإمداد: ويخالفه ما في التتارخانية: إذا صار الميت ترابًا في القبر يكره دفن غيره في قبره، لأن الحرمة باقية… قلت -القائل ابن عابدين- لكن في هذا مشقة عظيمة، فالأولى إناطة الجواز بالبِلَى؛ إذ لا يمكن أن يُعَدَّ لكلِّ ميت قبر لا يُدفن فيه غيره، وإن صار الأول ترابًا، لا سيما في الأمصار الكبيرة الجامعة، وإلا لزم أن تَعُمَّ القبورُ السَهْل والوَعْر، على أن المنع من الحفر إلى أن لا يبقى عظم عَسِرٌ جدًا، وإن أمكن ذلك لبعض الناس لكن الكلام في جعله حكمًا عامًا لكلِّ أحد فتأمل.” انتهى.

وقال العلَّامة بدر الدين العيني الحنفي رحمه الله في كتابه “البناية في شرح الهداية” (3/295): “ولو بَلِيَ الميت وصار ترابًا يجوز دفن غيره في قبره وزرعه والبناء فيه وسائر الانتفاعات به”. انتهى.

وقال الإمام النوويُّ الشافعيُّ رحمه الله في كتابه “المجموع شرح المهذَّب” (5/273): “وأما نبش القبر فلا يجوز لغير سبب شرعيٍّ باتفاق الأصحاب..، ويجوز بالأسباب الشرعية كنحو ما سبق، ومختصره أنه يجوز نبش القبر إذا بَلِيَ الميت وصار ترابًا وحينئذ يجوز دفن غيره فيه، ويجوز زرع تلك الأرض وبناؤها وسائر وجوه الانتفاع والتصرُّف فيها باتفاق الأصحاب، وإن كانت عارية رجع فيها المعِير، وهذا كلُّه إذا لم يبق للميت أثر من عظم ولا غيره، قال أصحابنا رحمهم الله: ويختلف ذلك باختلاف البلاد والأرض، ويُعتمد فيه قول أهل الخبرة بها”. انتهى.

وقال الفقيه المرداوي الحنبلي رحمه الله في كتابه “الإنصاف”: “متى عُلم أن الميت صار ترابًا قال في “الفروع”: ومرادهم ظُنَّ أنه صار ترابًا، ولهذا ذكر غير واحد يعمل بقول أهل الخبرة، فالصحيح من المذهب أنه يجوز دفن غيره فيه، نقل أبو المعالي جاز الدفن والزراعة وغير ذلك، ومراده إذا لم يخالف شرطَ واقِفِه لتعيينه الجهة، وقيل: لا يجوز”. انتهى.

وقال العلَّامة ابن قدامة الحنبلي رحمه الله تعالى في “المغني”: “وإنْ بَلِيَ الميت وعاد تراباً فلصاحب الأرض أَخْذُها”. انتهى.

وروى البخاريُّ في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في قصة بناء مسجد النبيِّ صلَّى الله عليه و سلَّم في المدينة، وفيه: “أنه صلَّى الله عليه وسلَّم أمر ببناء المسجد؛ فأرسل إلى ملأ بني النجار، فقال: يا بني النجار ثَامِنُوني بحائطكم (بِيعوني إياه بالثَّمَن) هذا. قالوا: والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله تعالى. فقال أنس: فكان فيه ما أقول لكم: قبور المشركين، و فيه خِرَب، و فيه نخلٌ؛ فأمر النبيُّ بقبور المشركين فنُبِشَت، ثُم بالخِرَب فسُوِّيَتْ، و بالنخل فقُطع، فصَفُّوا النخلَ قِبلةَ المسجد، وجعلوا عَضادَتَيْهِ الحجارة..” الحديث. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في “فتح الباري شرح صحيح البخاري”: “في الحديث جواز التصرف في المقبرة المملوكة بالهبة والبيع، وجواز نبش القبور الدارسة إذا لم تكن محترمة، وجواز الصلاة في مقابر المشركين بعد نبشها وإخراج ما فيها، وجواز بناء المساجد في أماكنها”. انتهى.

بناء عليه: فلا حرج في نبش تلك القبور، طالما أنها غير موقوفة أو مُسبَلة -مخصَّصة للدفن- وقد اندرست -بَلِيَتْ حتى لم يبق منها شيء- وهذا يحدده أهل الخبرة، جاز الانتفاع بتلك الأرض بسائر الوجوه المباحة، كالزراعة، والبناء، والدفن.. على قول جماهير أهل العلم، فإن كانت موقوفة أو مخصصة للدفن أو لم تَبْلَ؛ بحيث بقي عظام الموتى لم يجز ذلك.

وننبِّه السائل: على أن قبور المحاربين والمحتلين لبلاد المسلمين لا حرمة لها.

والله تعالى أعلم.

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *