حكم مرتَّبات موظَّفي الدولة في القطاعات العامة، حلال أم حرام؟

الفتوى رقم: 676 السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الرجاء الافتاء في حكم مرتَّبات موظَّفي الدولة في القطاعات العامة بلديات وكهرباء ومدرسو مدارس رسمية، أهو حلال لطبيعة العمل الحلال ذاته، أم لأن الدولة أموالها يدخلها الحرام من سرقة أموال الشعب يصبح حرامًا المرتَّبات، أو يفضل عدم العمل في قطاعات الدولة؟

الجواب وبالله تعالى التوفيق:

معلوم في عصرنا الحاضر أن معظم الدول وربما كلها، لها مداخيل محرَّمة تأخذها من طرق مخالفة للشرع؛ لأن أنظمة هذه الدول قائمة على غير شرع الله تعالى.
وتتفاوت في مقدار الحرام؛ فعندنا في لبنان -مثلًا- نسبة الأموال المحرَّمة كبيرة بدء من الرِّبا، إلى الكازينو، ومراكز الدعارة، إلى الضرائب بغير حق….

لكن السؤال: هل يَحْرُمُ على المسلم أن يعملَ في وظائفها المباحة في الأصل؛ كالتعليم، والإدارات الخدماتية والصناعية والإنتاجية…. وغيرها؟

لا يحرم ذلك؛ لأن ترك تلك الوظائف من قِبَلِ المسلمين يترتب عليه ضرر بالغ بهم، وربما خطر وجودي؛
فلذلك لا يمكن الحكم على ذلك بالحرمة، وقد نصَّ فقهاء المذاهب الفقهية الأربعة المعتبرة على أنه لا يَحْرُمُ التعامل المباح مع مَن أكثر ماله حرام، وإنما يكره، والورع ترك التعامل معه؛
لما رواه البخاريُّ في صحيحه عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: ” كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ غُلاَمٌ يُخْرِجُ لَهُ الخَرَاجَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ، فَجَاءَ يَوْمًا بِشَيْءٍ فَأَكَلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ الغُلاَمُ: أَتَدْرِي مَا هَذَا؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لِإِنْسَانٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَمَا أُحْسِنُ الكِهَانَةَ، إِلَّا أَنِّي خَدَعْتُهُ، فَلَقِيَنِي فَأَعْطَانِي بِذَلِكَ، فَهَذَا الَّذِي أَكَلْتَ مِنْهُ، فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ، فَقَاءَ كُلَّ شَيْءٍ فِي بَطْنِهِ”.
قال ابن حجر العسقلاني رحمه الله في كتابه: “فتح الباري” (7/154): “قَالَ ابْنُ التِّين: إِنَّمَا اسْتَقَاءَ أَبُو بَكْر تَنَزُّهًا؛ لِأَنَّ أَمْرَ الْجَاهِلِيَّةِ وُضِعَ، وَلَوْ كَانَ فِي الْإِسْلَام لَغَرِمَ مِثْلَ مَا أَكَلَ أَوْ قِيمَتَه وَلَمْ يَكْفِهِ الْقَيْءُ، كَذَا قَالَ، وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ أَبَا بَكْر إِنَّمَا قَاءَ لِمَا ثَبَتَ عِنْده مِنْ النَّهْي عَنْ حُلْوَانِ الْكَاهِن، وَحُلْوَانُ الْكَاهِن مَا يَأْخُذهُ عَلَى كِهَانَته”. انتهى.

وقد أورد الإمام النوويُّ الشافعيُّ رحمه الله تعالى الحديثَ في كتابه: “رياض الصَّالحين”، وبوَّب عليه: “باب الورع، وترك الشبهات”.

وعليه: فلا مانع من العمل في الوظائف الحكوميَّة المباحة وأخذ الراتب على تلك الوظيفة.

والله تعالى أعلم.

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *