حكم الجمع بين نوايا صلاة النافلة، ووقت سنّة الوضوء

الفتوى رقم: 592: السؤال: هل يَصِحُّ الجمعُ بين نيَّة التهجُّد ونيَّة التراويح؟ وكذلك الجمع بين نية سنة الوضوء ونية السنة الراتبة أو الفرض إن ضاق الوقت؟
وهل مُضي زمن يسير ١٠دقائق مثلًا على الوضوء يُسقط سُنَّةَ الوضوء؟

الجواب، وبالله تعالى التوفيق:

هذه المسألة تعرف عند أهل العلم بمسألة التشريك في العبادة، وهي لا تَصِحُّ بين فرضين إلا في الغُسل؛ بأن يجمع بين نية الوضوء ونية رفع الجنابة، أو رفع الجنابة ورفع حدث الحيض، وهو المنصوص عليه في كتب الشافعية.

الجمع بين صلاة التهجّد والتراويح

فبالنسبة لنيَّة التهجُّد والتراويح، فالتراويح هي قيام ليالي رمضان، لحديث: “من قام رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه” [ متفق عليه]. وسميت تراويح لأنهم يستريحون بين كلِّ أربع ركعات.

والتهجُّد هي أيضًا قيام الليل، لكنه يكون بعد النوم وقبل الفجر فكلُّ تهجد قيام وليس كلُّ قيامٍ تهجُّد.

لكن يوجد فرق بين التراويح والتهجُّد أنه ليس لصلاة التهجُّد شروط خاصَّة ولا عدد معيَّن، بل هي نافلة مطلقة لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: “صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى”. [متفق عليه].

فلا فائدةَ من الجمع في النية، لكنْ بالإمكان تأخير صلاة التراويح إلى ما بعد منتصف الليل، فيحصل التهجُّد مع التراويح.

قال الإمام النوويُّ الشافعيُّ رحمه الله في كتابه: “المجموع شرح المهذب” (3/526): “يَدْخُلُ وَقْتُ التَّرَاوِيحِ بِالْفَرَاغِ مِنْ صَلاةِ الْعِشَاءِ، ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ، وَيَبْقَى إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ”. انتهى.

وقال الفقيه الحنبلي ابن قدامة المقدسي في كتابه: “المغني”: “قِيلَ للإمام أَحْمَدَ: تُؤَخِّرُ الْقِيَامَ يَعْنِي فِي التَّرَاوِيحِ إلَى آخِرِ اللَّيْلِ؟ قَالَ: لا، سُنَّةُ الْمُسْلِمِينَ أَحَبُّ إلَيَّ، أما مَن كان سيصلِّيها في بيته فهو بالخيار إن شاء صلَّاها في أول الليل وإن شاء صلاها آخره”.

الجمع بين سنّة الوضوء والسنّة الراتبة

وأما مسألة الجمع بين نيّة سنّة الوضوء والسنّة الراتبة، فلا مانع من الجمع، لأن سنّة الوضوء ليست مقصودة لذاتها بل المقصود الصلاة بعد الوضوء، بخلاف سنّة الراتبة فهي مقصودة لذاتها.

واعلم أنه لا يمكن الجمع بين الصلاة المفروضة وسنة الراتبة، فقد جاء في “الموسوعة الفقهية”(12/ 24):
“إنْ أشركَ عبادتين في النية؛ فإنْ كان مبناهما على التداخل، كغُسلي الجمعة والجنابة، أو الجنابة والحيض، أو غُسل الجمعة والعيد، أو كانت إحداهما غير مقصودة، كتحيَّة المسجد مع فرض أو سنة أخرى، فلا يقدح ذلك في العبادة؛ لأن مبنى الطهارة على التداخل، والتحيَّةُ وأمثالها غير مقصودة بذاتها، بل المقصود شَغل المكان بالصلاة، فيندرج في غيره.
أما التشريك بين عبادتين مقصودتين بذاتهما، كالظهر وراتبته، فلا يصح تشريكهما في نية واحدة؛ لأنهما عبادتان مستقلَّتان لا تندرج إحداهما في الأخرى” .انتهى.

وقت سنّة الوضوء

وأما بالنسبة لوقت سنة الوضوء ومتى تفوت. فالأصل أنه يستحب لمن توضأ أن يصلِّي رَكْعَتَيْنِ عَقِبَ فَرَاغِهِ مِنَ الْوُضُوءِ؛ لقول النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: “مَا مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ يُقْبِل بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ عَلَيْهِمَا إِلاَّ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ.” رواه مسلم في صحيحه.

وروى البخاريُّ ومسلمٌ في صحيحَيْهما عن عُثْمَانَ بْن عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: “مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ”.

قال الحافظ ابن حجر العسقلانيُّ رحمه الله في كتابه: “فتح الباري”: “فيه استحباب صلاة ركعتين عقب الوضوء”. انتهى.

قال الإمام النوويُّ الشافعيُّ رحمه الله في كتابه: “المجموع شرح المهذب” (3/5 45): “يُستحب ركعتان عَقِبَ الوضوء للأحاديث الصحيحة فيها “. انتهى.

وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاريُّ الشافعيُّ رحمه الله تعالى في كتابه “أسنى المطالب”( 1/44 ): “وَنُدِبَ لِمَنْ تَوَضَّأَ أَنْ يُصَلِّيَ عَقِيبَ وُضُوئِهِ رَكْعَتَيْنِ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ”. انتهى.

وقال الفقيه النوويُّ الجاوي الشافعيُّ رحمه الله تعالى في كتابه “نهاية الزَّيْن” ص 104: “ومنه صلاة سنّة الوضوء عَقِبَ الفراغ منه وقبل طول الفصل والإعراض، وتحصل بما تحصل به تحيَّة المسجد؛ فلو أتى بصلاة غيرِها عَقِبَ الوضوء من فرض أو نفل، ففيها ما تقدم في تحيَّة المسجد من جهة حصول الثواب وسقوط الطلب”. انتهى.

وعليه: فإنْ طال الفصل عُرْفًا -في عُرْفِ الناس- أو حصل ما يدلُّ على الإعراض كالجلوس، بين الفراغ من الوضوء وصلاة ركعتين، فقد فاتت سنة الوضوء.

والله تعالى أعلم.

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *