مَكرُمةُ العالمين.. كلمةُ جمعية الاتحاد الإسلامي حول الاحتفاء بمولد رسول الله

مَكرُمةُ العالمين.. كلمةُ جمعية الاتحاد الإسلامي حول الاحتفاء بمولد رسول الله

هَبّاتٌ عَابقة، وذكرياتٌ شائقة، تفوحُ على العالم الإنساني في أيام ربيعه الأنور، فيستحضرُ معها السرَّ العظيم الذي وقع في تاريخ البشرية قبل قرابة خمسة عَشَرَ قرناً، فأخصبتْ به بعد قَفرٍ، وأزهرت به بعد جُدوبة، فكان للقلوب من بعد قساوتها ووحشتها كالربيع للحياة، وكان للبشرية من بعد ضلالتها وجهالتها كالسرّاج للظُّلمة.

إنه رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم المِنّة الجليلة الحقيقية للإنسانية على امتدادها واختلاف مشاربها.

إنّه محمد صلى الله عليه وسلم ، وُلِدَ فاكتملت به حقائق التكريم الإلهي التي تَنْشدها اليوم – على الورق – دساتيرُ الدّول وتدعو إليها بالخُطب والإعلام المؤسَّسات المدنية، والمنظَّمات الحقوقية، بعد إعلان الحقيقة الأولى في الكتاب الذي بلّغه عن رب العالمين: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَم).

إنّه محمد صلى الله عليه وسلم ، نستلهمُ من فيوضه الزكية معاني الكرامة الإنسانية، المستحضَرة من الفضائل التالية التي غرسها تطبيقاً معلّمُ الإنسانية صلى الله عليه وسلم:

_ سواسية الناس : إنّ تحويل المجتمع إلى طبقتين متفاوتَتَيْن؛ إحداهما طبقة الفقراء المعدَمين، الذين يزدادون مع الوقت فقراً، والثانية طبقة الزعماء السياسيِّين وحاشياتهم، الذين يستغلّون دماء الأوّلين ودموعَهم فيزدادون مع الوقت ثراءً : هو دأب السلطات الفاسدة التي غشّت شعوبها وهضمت حقّها وسلبت كرامتها، فاستحقت الخزيَ الذي توعد به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في قوله: “مَا مِن عبدٍ يسترعيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً، يَموتُ يومَ يموتُ وهو غَاشٌّ لرعيَّتِهِ، إِلَّا حرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ” متفق عليه.

_ قيمة الإنسان : إن قيمة الإنسان ليس بكِبَر جسمه وحُسن صورته، بل بجهوده وإنجازاته المخلصة. فمثلاً كان الصحابي عبدالله بن مسعود رضي الله عنه رجلاً نحيفاً، قصيراً، أحمشَ الساقين. اعتلى مرةً شجرة أراك يحتزّ منها سِواكاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت الريح تكْفؤُه، وكان في ساقه دِقَّة، فضحك القومُ من دِقَّة سَاقيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “ممّ تضحكون”؟ فقالوا: يا نبيّ الله من دِقّة ساقيه، فقال: “والذي نفسي بيده، لهما أثقلُ في الميزان من أُحُد” أخرجه أحمد وصحّحه ابن حِبّان.
فاقتضت التعاليم المحمدية أن تنصرَ هذا الصحابي انتصاراً لكرامته وترسمَ للقوم منهجاً إنسانيّا جديداً.

  • العدالة الاجتماعية : إن تعظيم قيمة أناسٍ لثرائهم وتصغيرَ قيمة آخرين لأنهم عاشوا فقراء مغمورين ليس من العدالة في شيء ! لذا كان يأنف رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الظلم، راسيَاً معايير العدالة تطبيقاً، فذات مرة حزن لوفاة امرأة في ميزان بعض الناس وضيعة، هي أمّ محجن، في مشهد تقفُ فيه الإنسانية موقف التبجيل. فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه: «أنَّ امرأةً سوداءَ كانت تَقُمُّ المسجدَ ففقدها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فسأل عنها، فقالوا : ماتت ! قال: ” أفلا كنتُم آذنتموني؟ ” قال : فكأنهم صَغَّروا أمرَها. فقال: ” دُلُّوني على قبرِها” ، فدَلُّوه فصلَّى عليها. ثم قال: “إنَّ هذه القبورَ مملوءةٌ ظُلمةً على أهلِها، وإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يُنوِّرُها لهم بصلاتي عليهم” رواه مسلم .

فحتّمت الكرامة الإنسانية أن تتساوى الحقوق وتتوزع العاطفة الراعية بانتظام وعدل بين أصناف الناس على اختلافهم.

  • الأمن الاجتماعي : أن يأمنَ الناسُ بعضَهم، وأن يراعوا فيما بينهم العهد والذمّة، وقد سجّلت كُتب السّير أنه في أثناء فتح مكّة فرّ رجلان من المشركين إلى بيت أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها، وسألاها أن تُجيرَهما ففعلت، فلحق بهما أخوها عليّ رضي الله عنه ليقتلهما، فذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تستشيره، فقال : “مرحَباً بِأُمِّ هانئ، قد أجرنَا من أَجَرتِ يَا أُمَّ هانئ ” رواه البخاري. فكانت موافقة رسول الله – صلى الله عليه وسلم- للمرأة تكريماً قلّ نظيره.
  • سموّ الخُلق : أن تعفو عمّن ظلمك وأنت في موقع القدرة على الانتقام، لَهُو الخُلق السامي الذي يعلن انتصار إنسانيتك، فقد تجاوز رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قريش التي تمالأت عليه وعلى صحابته بالعداء، فعذبوهم أشدّ العذاب، و ظلموهم وهجّروهم من بلدهم الذي يحبون مرّتين، ثم جمعوا جموعهم وخرجوا إليهم يقاتلونهم في عدّة معارك، فكان في جند رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهيد الذي تجندل، والأسير الذي غُلّ، ثم كان موقفه منهم، أن قال لهم: “ما تظنون أني فاعل بكم؟” فقالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، فقال: “اذهبوا فأنتم الطلقاء” السنن الكبرى للبيهقي.

وبعد.. فإذ تقف جمعية الاتحاد الإسلامي في شهر ربيع الأول الذي يحمل معه كلّ عام أزكى وأشرف ذكرى: ذكرى مولد نبّي الرحمة والهادي إلى الحقّ، فإنها تهيبُ بالمسلمين أن:

  • ينزعوا عنهم الكِبْر والغرور، ومزاعم التعالي فيما بينهم، فإنّ نبيهم صلى الله عليه كان يواكل الناس ويجلس على التراب وينام على الثَّرى، ويفترش الرمل، ويتوسّد الحصير، ولمّا رآه رجل وقد ارتجف من هيبته قال له صلى الله عليه وسلم: “هوّن عليك، فإني ابنُ امرأة كانت تأكل القَديد بمكة” رواه ابن ماجه.
  • لا تُلهيهم عن اتباع رسولهم المصطفى صلى الله عليه وسلم أهواءٌ متغلّبة أو أنفسٌ أمّارة بالسوء.
  • يعلموا أنّ التذكير بمولد منبت الكرامة الإنسانية وما يتطلّبه من أتباعه المؤمنين به، ليس لمخافة نسيان ذكره، فإنّ ذكره مستدامٌ في السَّنة وفي الشهر وفي اليوم، فاسمُه الشريف مِلءُ الفضاء، كلَّ يوم خمس مرات مع كل أذان، وتحيّته في كل صلاة قولنا :(السلام عليك أيها النبي..)، بل من أجل أن تتقدَ جذوةُ حبّه في القلوب فلا تنطفئ أبداً، ثم ليتجلّى هذا الحب بالاتباع الصادق لهديه وبحمل أمانة دعوته الربّانية.
  • أن يحيا مسلمُ اليوم حياةَ المسلمين الأُوَل، يخطو وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم بقلبه وقدمه، يُحْيي سُنَّته، وينشر تعاليمه، ويعزّ دينه، فيشيّد حضارةً مؤمنة من جديد، كما شيّد أسلافُه على مدى قرون طويلة حضارةً؛ كانت مبعث إعجاب وتبجيل من كل المنصفين، من مفكريّ ومثقّفي الشرق و الغرب كافّة.

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *