حكم طاعة الوالد إذا رفض الحجاب وهل يجب صلته رغم القطيعة
فتوى رقم 5177 السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا امرأة تحجّبت منذ فترة، لكن والدي لم يرضَ بذلك، وهو يقاطعني ولا يتكلم معي. فما واجبي تجاهه؟ وهل يجب عليّ أن أبدأه بالسلام حتى لو لم يردّ عليّ؟
الجواب وبالله تعالى التوفيق:
بدايةً، نسأل الله تعالى لك الثبات، ونسأل الله له الهداية. الواجب هو السمع والطاعة في كلِّ معروف وأن تبقي على تواصل معه؛ لأنه والدك، ومن الحكمة مدُّ جسور الثقة معه عسى أن يظهر له صواب التزامك بالحجاب والتحدُّث معه بحكمة عن أهمية التزام المسلم بأوامر الله تعالى، وأن الولد الصالح يعود بالخير على والده في الدنيا والأخرة، والتبيان له أن الله أمر بطاعة الوالدين ولو كانا غير مسلمَيْن قال الله تعالى: (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [سورة لقمان الآية: 15]. وقصة سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- مشهورة التي أوردها: الحافظ ابن كثير الشافعي -رحمه الله- في تفسيره (3/429): “وهي أنه لـمَّا أسلم سعد بن أبي وقاص امتنعت أمُّه عن الطعام والشراب حتى يرجع عن الإسلام، وقالت له: لن أذوقَ طعاماً حتى تموت فتُعيَّر بذلك أبدَ الدهر، فيقال: يا قاتل أمِّه، ثم إنها مكثت يوماً وليلة لم تأكل ولم تشرب ولم تستظل، فأصبحت قد جهدت، ثم مكثت يوماً آخر وليلة لم تأكل ولم تشرب، فجاء سعد إليها وقال: يا أمَّاه! لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني، فكلي وإن شئت فلا تأكلي. فلما أَيِسَتْ منه أكلت وشربت، فأنزل الله هذه الآية: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ)“. انتهى. وروى مسلمٌ في صحيحه من حديث أبي هريرةَ -رضي الله عنه- قال: “أنَّ رجلًا قال: يا رسولَ اللهِ إنَّ لي قرابةً أصِلُهم ويقطَعوني وأُحسِنُ إليهم ويُسيئون إليَّ وأَحْلُمُ عنهم ويجهَلون عليَّ! فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لئنْ كان كما تقولُ لكأنَّما تُسِفُّهم المَلَّ ولا يزالُ معك مِن اللهِ ظهيرٌ ما دُمْتَ على ذلك“. وقال سيدنا محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم: «إنما الطاعة في المعروف» رواه البخاريُّ في صحيحه. وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا طاعةَ لمخلوق في معصية الخالق» رواه أحمدُ في مسنده. قال العلَّامة الـمُناوي -رحمه الله- في كتابه “فيض القدير” ( ٦/٤٣٢ ): “قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (لا طاعة لأحد) من المخلوقين كائناً من كان، ولو أبا أو أما أو زوجا (في معصية الله)، بل كلُّ حقٍّ وإن عَظُم ساقطٌ إذا جاء حقُّ الله، وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إنما الطاعة في المعروف» أي: فيما رضيَه الشارع واستحسنه، وهذا صريح في أنه لا طاعة في مُحرَّم فهو مقيِّد للأخبار المطلقة”. انتهى.
وعليه: فالواجب عليكِ عدم قطع الصلة بوالدك وطاعته في المعروف وعصيانه في المعصية، وليكن تعاملك معه بحكمة، عسى أن يشرحَ الله صدره، وأكثري من الدعاء بأن يهدي اللهُ والدَك؛ فالهداية بيده تعالى، قال الله تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) [سورة القصص الآية: 56] . والله تعالى أعلم.








