علاقة حبس المطر بالعقاب وبكثرة المعاصي
الفتوى رقم 3726 السؤال: السلام عليكم، هل حبس المطر يُعدّ عقابًا على الناس أم أنه دلالة على كثرة المعاصي؟ حيث إني أعتقد أن حبس المطر ليس عقابًا كبيرًا بالنسبة للأوضاع الاقتصادية الصعبة.
الجواب، وبالله تعالى التوفيق:
أخي السائل، إن لله تعالى سننًا في هذا الوجود، ومن تلك السنن معاقبة الظالمين بأنواع من العقوبات، وليس بشرط أن تكون العقوبة بحبس المطر من السماء، بل قد يكون العقاب هو بإمدادهم أكثر بنعم الدنيا، فالدنيا جنة الكافر، روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرةَ رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: “الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر“. وقال الله تعالى: (ولَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ) [سورة الزخرف الآية: 33].
ومنع المطر والغلاء وتدنِّي العملة وغيرها من العقوبات، قال الله سبحانه: (وَضَرَبَ اللَّـهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّـهِ فَأَذَاقَهَا اللَّـهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) [سورة النحل الآية :112].
ولاحظ معنا قولَه عزَّ وجلّ: (كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً) وقوله تعالى: (فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّـهِ) وقوله سبحانه: (فَأَذَاقَهَا اللَّـهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ) وقوله تعالى: (بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) فواقعنا اليوم يشير إلى هذه الحقيقة. وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما ما يشير إلى تنوُّع العقوبات بما يتناسب مع المعصية، فقد روى أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: “يا مَعْشَرَ المهاجرينَ! خِصالٌ خَمْسٌ إذا ابتُلِيتُمْ بهِنَّ، وأعوذُ باللهِ أن تُدْرِكُوهُنَّ: 1ــ لم تَظْهَرِ الفاحشةُ في قومٍ قَطُّ؛ حتى يُعْلِنُوا بها؛ إلا فَشَا فيهِمُ الطاعونُ والأوجاعُ التي لم تَكُنْ مَضَتْ في أسلافِهِم الذين مَضَوْا. 2ــــ ولم يَنْقُصُوا المِكْيالَ والميزانَ إِلَّا أُخِذُوا بالسِّنِينَ وشِدَّةِ المُؤْنَةِ، وجَوْرِ السلطانِ عليهم. 3ــ ولم يَمْنَعُوا زكاةَ أموالِهم إلا مُنِعُوا القَطْرَ من السماءِ، ولولا البهائمُ لم يُمْطَرُوا. 4ــــ ولم يَنْقُضُوا عهدَ اللهِ وعهدَ رسولِه إلا سَلَّطَ اللهُ عليهم عَدُوَّهم من غيرِهم، فأَخَذوا بعضَ ما كان في أَيْدِيهِم. 5ـــ وما لم تَحْكُمْ أئمَّتُهم بكتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ ويَتَخَيَّرُوا فيما أَنْزَلَ اللهُ إلا جعل اللهُ بأسَهم بينَهم”. رواه ابن ماجه في سننه وغيره.
فالمصائب والبلايا التي حلَّت بمجتمعنا اليوم، والتي منها الغلاء وتدنِّي العملة، ومنع القَطْرِ من السماء، وتسلُّط الفاسدين والظالمين على رقاب الناس، وغيرها من المصائب، هي نتيجة حتمية لحال الناس مع بعضهم البعض ومع الله تعالى إلا من رحم ربِّي، قال الله تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون) [سورة الروم الآية: 41]. وقال تعالى: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [سورة آل عمران الآية: 165]. وقال الله تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُون ([سورة هود الآية: 117]. وروى البخاريُّ ومسلم في صحيحَيْهما، أنّأمَّ المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها، سألت رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: “أنهلك وفينا الصالحون؟ قال:” نعم إذا كَثُرَ الخبَث”.
وفي سنن أبي داود والترمذي من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه، قال: بعد أن حَمِدَ الله وأثنى عليه: “يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها على غير موضعها (عَلَيْكُمْ أَنْفُسكُمْ لَاْ يَضُرُّكُمْ مَّنْ ضَلَّ إِذَاْ اهْتَدَيْتُمْ) قال: وإني سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: “إن الناس إذا رأَوْا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك الله أن يَعُمَّهم بعقاب“. نسأل الله صلاح الحال. والله تعالى أعلم.







