قال: الشيطان وحده يعلم، على سبيل المزاح، ثم استدرك، وقال: والله (أي الله أيضاً يعلم)، فما حكم قوله هذا؟
الفتوى رقم 3336 السؤال: السلام عليكم، شخص سأل شخصًا آخر: هل ستتشكَّل الحكومة، فقال: الشيطان وحده يعلم، على سبيل المزاح، ثم استدرك، وقال: والله (أي الله أيضاً يعلم)، فما حكم قوله هذا؟ وهل إذا كان صائمًا يبطل صومه؟
الجواب، وبالله تعالى التوفيق:
الأصل حَمْلُ نصِّ كلامه مَحْمَلاً لا يقتضي الكفر، طالما أن النصَّ يحتمل، وربما قرينة الحال -دلالة الحال- تُرَجِّح ذلك، ولا شكَّ بأن قائل هذا الكلام لا يَقْصد، أن الله لا يَعلم ذلك. قال العلاّمة ابن حجر الهَيْتميُّ الشافعيُّ -رحمه الله تعالى- في كتابه “الفتاوى الكبرى” (229/4): “الذي صرَّح به أئمَّتنا أنَّ من تكلَّم بمُحْتَمِلٍ للكفر لا يُحْكَم عليه حتى يُسْتَفْسَر”. أي حتى يُسأل عن قصده، فإن قال: قصدت هذا المعنى وكان المعنى المذكور صريحاً في الكفر يكفّر، أما إن قصد معنىً غيرَ كُفْرِيٍّ فإنّه لا يكفَّر. وجاء في كتاب “ردّ المحتار على الدُّر المختار” للإمام ابن عابدين -رحمه الله تعالى- وهو من أكابر المحقِّقين للمذهب الحنفي: “إذا كان في المسألة وجوه -أي احتمالات- تُوجِبُ التكفيرَ ووَجْهٌ واحد يمنع التكفير، فعلى المفتي أن يميل إلى الوجه الذي يمنع التكفير تحسيناً للظنّ بالمسلم”. وقد زاد في “البزّازية” ضابطاً مهماً: “إلا إذا صرّح بإرادة موجِبِ الكفر فلا ينفعه التأويل حينئذٍ” أي لا نؤوِّل كلامَه وقد صرّح بقصد المعنى الكفري. وقد ضرب مثلاً لذلك فقال: “إذا شتم رجلٌ دينَ مسلم فيحتمل أن يكون هذا السبُّ استخفافاً في الدِّين فيكفَّر، ويحتمل أن يكون مراده أخلاقه الرديّة ومعاملته القبيحة، لا حقيقة دين الإسلام، فينبغي أن لا يكفَّر حينئذ كما حرَّر ذلك بعض الحنفية”.
وقال العلاّمة علي القاري الحنفي -رحمه الله- في كتابه “شرح الفقه الأكبر للإمام أبي حنيفة رحمه الله” (ص 162): “ذكروا أن المسألة المتعلِّقة بالكفر إذا كان لها تسعة وتسعون احتمالاً للكفر واحتمالٌ واحد في نفيه، فالأَوْلى للمفتي والقاضي أن يعمل بالاحتمال النافي؛ لأن الخطأ في إبقاء ألف كافر أهون من الخطأ في إفناء مسلم واحد”، وذكر أيضاً في الصفحة نفسها: “إذا كان اللفظ محتملاً، فلا يُحكم بكونه كفراً إلا إذا صرَّح بأنه نوى المعنى الكفري”. انتهى.
وننبِّه إلى أن قوله: الشيطان يعلم، أنَّ العلماء اختلفوا؛ هل الشيطان يعلم ما في داخل الشخص أم لا؟ وقد نقل أقوالَ أهل العلم إمامُ السُّنة أبو الحسن الأشعري -رحمه الله تعالى- في كتابه “مقالات الإسلاميين”.
وعليه: فقول هذا الشخص لا يُعَدُّ كفراً، ولكن ينبغي زجره كي لا يعود إليه. وأما صومه فلا يَبطل.
والله تعالى أعلم.








