الإسراء والمعراج… عطايا الرضا
قد يُغتفر للمرء أن يرسلَ زفراتٍ حرّى تصَّعد من لواعجِ قلبه، أو يسكبَ عَبرةً بعد انكسار قلبِه أمامَ عواصفِ الرزايا، وربما يُعذَرُ إنْ جهرَ بالتأوُّه تحتَ وطأة الألم؛ فالبشرية جِبلّةٌ من طينٍ وشعور. بيدَ أن الذي لا يُعذر فيه عبدٌ، ولا يليق بمؤمنٍ هو أن يشكوَ إلى الناس مولاه، أو أن تهتزَّ في وِجدانه أركانُ الثقة بالله ولو بمقدار ذرة؛ فالثقة بالله للمؤمن حِصنٌ لا يقتحمُه اليأس، ويقينٌ لا يُداخله الرَّيب.
إن مَن استقبلَ نيران المصائب ببَرد الرضا، وواجه جمرَ البلاء بقلبٍ مطمئن، أوشكتْ سُحب الكرم أن تُمطرَ عليه من سَنِيّ الجوائز ما لا عينٌ رأت؛ ذلك أن “عِظم الجزاء مع عِظم البلاء”. فالحُبُّ الإلهيُّ يكمن خلفَ ستار الابتلاء، فمن رضيَ فله من الله الرضا، ومن سخط فلا يلومنَّ إلا نفسَه؛ إذ الجزاء من جنس العمل، وسُنّة الله في خلقه لا تتبدل.
وإذا ما أردنا أن نستجليَ حقيقة الثبات، فما علينا إلا أن نيمِّمَ شطرَ السيرة النبوية العطرة؛ حيث تجلَّى رسول الله ﷺ جبلًا أشمَّ تحطمتْ عند سَفحه أمواجُ المِحن. لقد صُبّت عليه المصائب صبًّا، فما زادته إلا طهرًا كالبحر، يُنقي الوجود من أدران السخط، ويمنح السائرين في شِعاب الحياة الوعرة منارةً من ثقة.
في عامٍ واحد، فجأه الموتُ ففقدَ “أبا طالب” السند الذي كان يحوطه بحياض مَنَعَته، ثم غابت عنه “خديجة” رضي الله عنها الملاذُ الحاني، والقلبُ الذي آمن به حين كفرَ الناس، وواساه حين عزَّ المُواسي. لم تكن خديجة زوجة وحسب، بل كانت وطنًا يسكن إليه من هجير الغُربة.
ثم انطلق ﷺ إلى “الطائف” يحمل نورَ دعوته فواجهه القوم بظلام القلوب، وأغرَوْا به غوغاءَهم، فدميَتْ قدماه الشريفتان، وسالت الدماء تسطِّر ملحمةَ الصبر المُرّ. وبأبي هو وأمي، أيُّ قلبٍ ذاك الذي لم ينفطر وهو يُرجم بالحجارة بعدما فُجع بالفَقْد؟! لكنه لم يقل “أشكو إليك ثقيفًا”، بل ارتفع صوتُه بنشيد العبودية الخالد: “إن لم يكنْ بك عليّ غضبٌ فلا أُبالي”.
وعندما بلغت الروحُ التراقيَ من وجَع الدنيا، فتحتْ السماء أبوابها، فكان “الإسراء والمعراج” بلسمًا ربَّانيًا ومكرُمةً لم يحظَ بها بشر. صلّى في إسرائه بالأنبياء إمامًا، وتجاوز في معراجِه سِدرة المنتهى، وقيل له في ملكوت السماوات: “مرحبًا به، ولَنِعْمَ المجيءُ جاء”. ثَمَّ فُرضت الصلاة لتكون “قرَّة عين” المؤمنين، ومعراجهم الذي يعرجون به من ضيق الأرض إلى سعة السماء.
عاد المصطفى ﷺ من رحلته وقد اضمحلَّت آلامه أمام عظمة ما رأى، وعلَّمنا بلسان حاله أن الملمَّات لا تزيد المؤمن إلا صقلاً، وأن ذُروة الانكسار لله هو الرضا والاستعلاء على الجراح . لقد عرض عليه ملَكُ الجبال أن يُطبق “الأخشبين” على من آذَوْه، فغلب إشراقُ رحمته ظلامَ نِقمتِه، ورجا لهم الهداية وهم يرجون له الرَّدى.
وعلى النقيض من هذا السمو، نجد مَن تضيق صدورهم برحمة الله؛ فهذا أعرابيٌ يعوده النبيُّ ﷺ بالبشرى: “لا بأس، طهورٌ إن شاء الله”، فيردُّ بالتبرُّم والسخط: “بل هي حُمَّى تفور، على شيخ كبير، كَيْما تُزِيْرَه القبور”. فما كان جواب النبوَّة إلا: “فنَعَم إذًا”؛ فالسخط بابٌ موصدٌ دون الفضل، واليأس هو بضاعة المفلسين من نور الإيمان.
إن لكل ليلٍ بهيمٍ فجرًا من العطايا يتربَّص به، ولكل كبدٍ تحترق بنار البلاء “إسراءً” يغسل أحزانها، و”معراجًا” يرفع قَدْرها. فليثق المؤمن أن الله لا يبتلي ليُعذِّب، بل ليُهذِّب، وأنّ وراء كلِّ محنةٍ منحة، ولن يغلب عُسرٌ يُسرين.
بقلم: د. طه ياسين








