حكم تذكير الأب لابنه بالصلاة بعد البلوغ: حدود المسؤولية الشرعية وواجب النصيحة
فتوى رقم 5072 السؤال: ما حكم الشريعة الإسلامية في أن يُذكّر الأبُ ابنَه ويحثُّه على أداء الصلاة جماعة أو منفردًا، مع العلم أن الابن يرفض ذلك ويعتقد أنه لا يجوز لأحد أن يجبره على الصلاة، حتى والدَيْه؟
الجواب، وبالله تعالى التوفيق:
بالنسبة لأمر الولد بأداء الصلوات الخمس في اوقاتها، فقد نصّ جمهور -أكثر- أهل العلم من الحنفية والشافعية والحنابلة على وجوب أن يأمر الأب -وكذا الأم – ولدَه سواء كان ذكراً أم أنثى باداء الصلاة، وأنه إذا لم يأمره بالصلاة فقد ارتكب إثماً. واستدلوا بقول الله تعالى على لسان لقمان الحكيم: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ المُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) [سورة لقمان الآية:17]. وقوله الله تعالى حكاية عن إسماعيلَ عليه السلام: (وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا) [سورة مريم الآية: 55]. وقوله تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) [سورة طه الآية: 132]. ولحديث أبي داودَ في سننه، وأحمدَ في مسنده وغيرِهما، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «مُرُوا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عَشْر، وفرِّقوا بينهم في المضاجع.« ولحديث عبد الله بن عمرَ رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: «كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤول عن رعيَّته؛ الإمام راعٍ ومسؤول عن رعيَّته، والرجل راعٍ في أهله، وهو مسؤول عن رعيته». [متفق عليه]. وفي صحيح مسلمٍ يقول النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «ما من راعٍ يسترعيه الله رعيةً يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لرعيته إلا حرَّم الله عليه الجنة». هذا كلُّه قبل البلوغ، فإنْ بلغ لم تَعُدْ المطالبةُ واجبةً؛ لأنه صار مكلَّفاً ويجري عليه القلم، ففي الحديث عن عليٍّ رضي الله عنه، عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، قال: «رُفِعَ الْقَلَمُ عن ثلاثة: عن النائم حتى يَسْتَيْقِظَ، وعن الصبيِّ حتى يَحْتَلِمَ، وعن المجنون حتى يَعْقِلَ». رواه أبو داودَ، والترمذيُّ وابن ماجه.
وعليه: فإنْ بلغ الولد لم يَعُدْ واجباً على الأب أو الأم أن يأمرا الولد بالصلاة، لكن المطلوب نصحه وتذكيره بخطورة ما هو عليه، وتبيان أن تركه للصلاة هو من أعظم أسباب دخول النار، وأن تركها يجلب غضب الله، قال الله تعالى: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ. قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) [سورة المدثر الآيتان: 42-43]. وربما يقتضي الأمرُ – (وهذا يُنظر فيه بحسب الحال، والمصلحة الشرعية، والحكمة التربوية والدعوية) – هَجْرَ الولد، عسى أن يتوبَ مِن تركه للصلاة. والله تعالى أعلم.








