عدم توثيق الطلاق في المحكمة لاستمرار أخذ النفقة الزوجية، وحكم السكن مع الزوجة المطلقة طلاق بائن؟

فتوى رقم 4800 السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أخي مطلِّق زوجتَه طلاقاً بائناً، وهذا طلاقه الأخير، وله ثلاث سنوات لكنْ لم يَقُمْ بتوثيق طلاقه بالمحكمة حتى لا تنقطع عنه النفقة الزوجية وباتفاقٍ مُحْكَمٍ مع طليقته حتى تسكنَ معه في البيت وتدخل بالوثيقة للسكن، فما الحكم؟

المشكلة الثانية: أنه ساكن معها في الشقة نفسها، ولا يوجد ساتر بينهما إلا غرفهم المنفصلة فقط وإلى الآن يتراسلون بالواتساب وكأنهما غير مطلَّقَيْن، وتحدثنا معه، ولكنه يجعل الأولاد حجة؛ مع العلم أن أولاده بالغون، هل هو مذنب؟ وما حكم الدِّين في مثل حالتهم؟ وماذا ننصحه؟ وفي حال لم يتقبل النُّصح هل يوجد طريقة لإقناعه بأنه مخطئ بالسكن معها؟

الجواب، وبالله تعالى التوفيق:

بالنسبة للسؤال الأول: موضوع أخذ النفقة الزوجية المقررة لهما من الدولة حسب ما فهمنا من السؤال، فهذا يدخل في باب الكذب والغش والخديعة والخيانة وقول الزور، وأكل لأموال الناس بالباطل، -لأنه في حقيقة الأمر لم تعد تلك المرأة زوجته، فهي أجنبية عنه، لأنه طلقها وبانت منه بينونة كبرى (لوقوع ثلاث طلقات)-. فالأصل في تعامل المسلم مع الآخرين أن  يكون صادقاً أميناً لا يكذب ولا يخدع ولا يخون ولا يغشّ، قال الله تعالى: (وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) [سورة الحج الآية: 30]. وقال سبحانه: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ) [سورة البقرة الآية 188]. فقد روى مسلمٌ في صحيحه، من حديث عَبْدِ اللَّهِ بن مسعودٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى البِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْق (أي: يُبالِغ فيه ويجتهد) حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا. وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا». وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «من غَشَّ فليس مني». رواه مسلم. وروى مسلمٌ في صحيحه أن  النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «ألا أُنَبِّئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدَيْن، وكان مُتَّكِئًا فجلس فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، فما زال يكرِّرها حتى قلنا: ليته سكت». يعني: ما زال يكرّر التحذير من شهادة الزور، حتى قال الصحابة رضي الله عنهم: “ليته سكت”، يعني: خشيةً على رسول الله عليه الصَّلاة والسَّلام عندما رأَوْا غضبَه. فأصلُ الزُّور: تزيين الشيء ووَصْفُه بخلاف صفتِه حتى يخيَّل إلى مَن سمعه أو رآه بخلاف ما هو به، فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق، وقد يُضاف إلى القول، فيشمل الكذب والباطل. قال الحافظ ابن حجر العسقلانيُّ -رحمه الله تعالى- في “فتح الباري”: “قوله: “فما زال يُكرِّرها؛ حتى قلنا: ليتَه سكَت”؛ أي: شَفقةً عليه، وكراهيةً لِما يُزعِجه، وفيه ما كانوا عليه من كثرة الأدب معه صلَّى الله عليه وسلَّم  والمحبَّة له، والشَّفقة عليه”. انتهى

وعليه: فلا يَحِلُّ أخذ هذا المال بحجة النفقة الزوجية، لما فيه من الغِشِّ والكذب وشهادة زور.

وأما بالنسبة للسؤال الثاني: فهذه المرأة التي كانت زوجة أخيك، صارت الآن أجنبيةً عنه بعد أن طلَّقها الطلقة الثالثة، التي صارت فيها بائنة بينونة كبرى، فيجب والحالة هذه إذا بقيت في بيت الزوجية أن ترتديَ أمامه اللباس الشرعيَّ الذي يستر جسدها كلَّه ما عدا الوجه والكفين، وأن تحذر من الخلوة بينهما، وهذا صعب تحقُّقه إن لم نَقُلْ متعذِّر، لحديث الصحيحَيْن عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ». وضابط الخلوة المحرّمة هو اجتماع الرجل  والمرأة في مكان لا تُؤْمَنُ معه الرِّيبة، جاء في “حاشية الشبراملسي الشافعي على نهاية المحتاج شرح المنهاج” (7/ 163): “وضابط الخلوة اجتماع لا تُؤْمَنُ معه الريبة عادة، بخلاف ما لو قُطِعَ بانتفائها عادةً فلا يُعَدُّ خلوة”. انتهى. فاجتماعهما مع بعضهما في بيت واحد لا تؤمن معه الريبة، بل إن المحذور والمحظور أدعى للوقوع لما كان بينهما سابقاً من المودة والمحبة.

وعليه: فيَحْرُمُ أن يُقيما مع بعضهما البعض لما يمكن أن يحصل من الخلوة داخل البيت الواحد، وسدًّا للذريعة الـمُفضية إلى المعصية، إلا إذا أمكن تقسيم البيت إلى مكان خاص بها مع الملحقات كالخلاء والمطبخ وباب مستقل يمكن أن تغلقَه على نفسها، فعندها لا حرجَ، بحيث يصير كلُّ واحد منهما ضمن شقة واحدة في بيتين، لكلِّ واحدٍ منهما غرفته والمنتفعات الخاصة به -الخلاء والمطبخ-. والله تعالى أعلم.

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *