خواطر وحكم

سيد قطب

لقد فرض الله الجهاد على المؤمنين، لا ليُكرهوا الناس على اعتناق الإسلام ولكن ليقيموا في الأرض نظامه الشامخ العادل.

علاّمة الأمة... الصِّدِّيقة أمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها

الكاتب: بقلم: أحلام الحنفي

 

أذوب خجلاً وأنا أكتب عن السيدة عائشة الصدِّيقة رضي الله عنها من تقصير قلمي حين أجمع مقتطفاتٍ من شخصيتها، فهي البحر الواسع لا يُعرف له قرار، وأياً حاولتَ أن تجمع من دُرَرِه فستجدُ نفسك قد خلّفت وراءك الكثير.
ولادتها وزواجها بالنبي صلى الله عليه وسلم
هي الصدِّيقة بنت الصدّيق، ربيبة أول بيت دخل الإسلام بعد بيت النبوة، وقدّم التضحيات الكبرى في سبيل الإسلام ونشر الدعوة. أسلمت صغيرة في بيت والدها بعد ثمانية عشر إنساناً دخل الإسلام.
وُلدت رضي الله عنها قبل الهجرة بسبع سنوات. وتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم في شوال من السنة الثانية للهجرة وهي بنت تسع سنين، لتنتقل من بيت أبيها علاّمة قريش وتاجرها الأكبر إلى بيت النبوة في إحدى الحُجُرات الشريفة التي بناها صلى الله عليه وسلم لنفسه في جوار مسجده الشريف.
تلميذة النبوة
كانت تسع سنوات من زواجها برسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتها له كفيلة بأن تجعل منها تلميذة النبوة الأولى، وبما متّعها الله به من ذكاء وفطنة وقوة حافظة، وبلسانها السَّؤول وقلبها العَقول، كانت لا تترك أمراً لا تعرفه إلا استفسرت عنه. ناهيك عن سماعها للوحي رطباً نَدِياً من فَمِ رسول الله صلى الله عليه وسلم الشريف وشهودها للكثير من أسباب النزول واستفهامها عن معاني الآيات.
أخلاقها وعبادتها
كانت قِمة في الزهد والتواضع؛ تنهل من مشكاة النبوة وتزهد في الدنيا عملاً بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما عن عبادتها فهي الصوّامة القَوّامة، تأثرت بعبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقلت في أحاديث كثيرة صورة كاملة عن عباداته صلى الله عليه وسلم ، وقد كانت تحرص على عدم تفويت فضيلة من الفضائل.
علمها وتعليمها
مع وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تنطفىء مشكاة النبوة، فسرعان ما اتجهت الأنظار إلى حُجُرات أمهات المؤمنين كلّما أَلَمَّ بالصحابة أمرٌ لم يقعوا فيه على رأي، وكلما أشكل عليهم حديث أو فتوى، لما كان لهنّ من دور بارز في حفظ سُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أمّا السيدة عائشة فقد كانت عَلَماً بينَهُن لِمَا امتازت به من عظيم المحبة ورفيع المنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وبما ظهر لهم من سعة علمها حتى احتاجت الأمة إليها. وفي ذلك يقول الإمام الكبير الزُّهري: لو جُمع علم عائشة إلى علم جميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وجميع النساء كان علم عائشة أكثر.
إذاً تحولت الحجرة المباركة إلى مدرسة يَفِد إليها طلاب العلم من الصحابة والتابعين، وكان إذا أشكَل على أهل الأمصار شيء أحالوه إلى السيدة عائشة رضي الله عنها. وقد اتبعت في تعليمها لتلاميذها الأساليب التربوية الرفيعة التي شهدت النبيَّ صلى الله عليه وسلم يمارسها في تعليمه لأصحابه...
حتى تخرَّجَ من مدرستها سادة علماء التابعين؛ بعضهم من محارمها ممن ضمّتهم إليها وربّتهم في حِجرها فكانوا حَفَظة الإسلام ونَقَلَتَهُ إلى الأجيال اللاحقة، وكان منهم العلماء والعالمات. والملاحظ أنها لم تكن في تعليمها تكتفي بتقرير الأحكام إنما كانت تؤيدها بأدلتها من القرآن أو السُّنة، وبذلك سَنّتْ ما يُعرف بين العلماء بـ(الفقه الاستدلالي).
أمانتها العلمية
عُرفت السيدة عائشة رضي الله عنها بأمانتها العلمية؛ فكانت إذا سُئلت عن شيء لا تعرفه أحالته إلى الصحابي الذي تظنه أكثر علماً. كما كانت لا تُفتي إلا بما سمعت وتقول في ذلك: إنما أحدثك بما سمعت أفأحدث بما لم أسمع؟ إضافة إلى تصويبها لما قد يصل إليها من آراء تعتبرها خاطئة تدور على ألسنة بعض الصحابة، فكانت تستدرك عليهم وتصوّب لهم. وقد أورد العلامة الإمام الزركشي في كتابه (الإجابة عما استدركته عائشـة على الصحابة) استدراكها على ثلاثة وعشرين من أعلام الصحابة.
عائشة المفسّرة والمحدِّثة
برعت السيدة عائشة في التفسير فكانت علَماً من أعلامه جمعت إلى جانبه ما يحتاجه المفسّر من قوة في اللغة العربية وطرائقها. وكانت خامس خمسة اشتُهروا بالرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبلغ عدد من روى عنها مئة، كما أوردهم الذهبي. وكانت مَقْصِد الصحابة الأوّل في طلب الحديث، وفي ذلك يقول أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: ما أشكل علينا أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث قَط، فسألنا عائشة رضي الله عنها إلا وجدنا عندها منه علماً. بل بلغ في ذلك أن أبا هريرة (راوي السُّنّة) كان يأتي إلى مكان قريب من حُجرة السيدة عائشة فيُحدث ويقول: اسمعي يا ربة الحجرة، اسمعي يا ربة الحجرة. وذلك تقوية للحديث بإقرارها له، وسكوتها عليه. وقد حرصت رضي الله عنها على ضبط ألفاظ الحديث وكانت تختبر محفوظات الصحابة.
فقه السيدة عائشة
ذهب الحاكم في مستدركه إلى أنّ ربع أحكام الشريعة نُقلت عنها. وتُعَد رضي الله عنها من كبار علماء الصحابة المجتهدين، حتى ذكر القاسم بن محمد بن أبي بكر أنّ عمَّته عائشة رضي الله عنها قد استقلّت بالفتوى في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان إلى أن توفيت رحمها الله.
علمها بالطبّ
أما عن علمها بالطب؛ فلقد كان عروة يأسف بحُرقة وألم بعد موتها على ذهاب هذا العلم الجمّ الغفير بوفاتها دون أن يتلقاه أحد عنها؛ ذلك أن الناس ما كانوا يتصورون حذق السيدة بهذا العلم، وكان يقول: ما رأيت أحداً أعلم بفقه ولا بطبّ ولا بشعر من عائشة.
فصاحتها
أما عن بلاغة السيدة عائشة فحدّث ولا حرج، فقد اشتُهرت بالفصاحة والخَطابة والبيان. وليس أبلغ من قول الأحنف بن قيس: سمعت خطبة أبي بكر الصِّديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعليّ بن أبي طالب والخلفاء من بعدهم فما سمعتُ الكلام من فم مخلوق أفخم ولا أحسن منه من في - أي فم - عائشة رضي الله عنها.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وكانت في حياتها كلها لا تأخذها في الله لومة لائم؛ فلا تتردد في تنبيه الخلفاء إلى ما قد يقعون فيه من أخطاء، وقد أنكرت على سيدنا معاوية رضي الله عنه أموراً عديدة فكان لها في نفسه وقار وهَيْبة.
* * *
هذه هي السيدة عائشة المثال والقدوة التي لم تترك موهبة لها إلا استخدمتها في خدمة الإسلام والمسلمين؛ فنقلت لنا العلوم الشرعية، وكانت بحقّ حافظة السنة ومربية الأمة وعلاّمة نساء الإسلام وأُولى فقيهاته ومحدِّثاته رضي الله عنها.
فحريّ بنسائنا وبناتنا أن يتمثّلن أخلاقها الكريمة ويرشفن من مَعين علمها ويقتدين بها.
توفيت رضي الله عنها سنة 57 هـ ليلة الثلاثاء لسبعَ عَشْرَة ليلةً خلت من شهر رمضان، ودُفنت في البقيع مع أمهات المؤمنين كما أوصت.