ليتني كنتُ أمَّ أيوب



ليتني كنتُ أمَّ أيوب

بقلم: الأستاذة إباء الدريعي 23/06/2010

 

لم تدخل كتاب غينتس للأرقام القياسية، ولم توضع صورتها على أغلفة المجلات، ولم يتم تقديم كتب الشكر لها من هيئات عالميّة... ولكنّها حازت على شرفٍ لم تحظَ به امرأةٌ أخرى في ذلك الوقت.
لقد تشرّفتْ بأن يدخل بيتها ويأكل من طعامها أحبّ الخَلْق إلى الله عز وجل: محمد صلى الله عليه وسلم. فكانت سبّاقة في إكرامه وضيافته.
ومَن لا يفرح بقدوم خير البشر إلى داره بإذنٍ من المولى الكريم؟ فقد أَذِن لنبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم، بعد رحلةٍ شاقة وخطيرة - رحلة الهجرة النبوية - أن يرتاح ويقيم في بيت أبي أيوب الأنصاري.
فيا لفرحه وسروره أَنْ حباه الله عز وجل بهذه النعمة العظيمة، ويا لسعادتِكِ وهنائك يا أم أيوب؛ فالبركة حلّت في دارك، فهل من كرامةٍ بعد هذه الكرامة؟ وهل من شرف بعد هذا الشرف؟
الكل يعلم أنّ الحب يُلهم أسباب الراحة وطرائق الخدمة ما لا يُلهمه شيء آخر؛ فماذا حصل مع أم أيوب وأبي أيوب الأنصاري؟ يقول:
«وكنا نصنع لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم العشاء ثم نبعث إليه فإذا ردَّ علينا فضله، تيمّمتُ أنا وأمُّ أيوب مَوْضِع يده فأكلنا منه نبتغي بذلك البرَكة، وكان رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم في أسفل البيت وكنا فوقهُ في المسكن؛ فلقد انكسَر حبٌّ لنا فيه ماء فقمتُ أنا وأُم أيوب بقطيفة لنا ما لنا لحاف غيرها ننشِّف بها الماء تخوُّفاً أن يَقْطر على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم منه شيء فيؤذيه».
فلله دَرّ هذا الحُب وهذا التعلّق.
هذا الحب الملِهِم نفتقر إليه في أيامنا هذه، هذا الحب الذي يدفع إلى العمل لا نكاد نجده.
لقد أحبّت أم أيوب الأنصارية رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم حبّاً جعلها تتلمس موضع الطعام الذي لمسه نبيّ الله محمد صلى الله عليه وسلمطمعاً بحصول البركة. فالله الله ما أرقى هذا الحب وما أتمَّه.
هذه قصة أم أيوب يا نساء اليوم، وبهذا العمل دخلت سيرتها التاريخ.
فما هو واقع حب النبي محمد صلى الله عليه وسلمعند النساء المسلمات اليوم؟ وهل انقطعت سبل التعبير عن محبتنا له محمد صلى الله عليه وسلم؟
وما الذي شغل المرأة المسلمة حتى ما عاد وقتها يتسع للصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم بلسانها، وما عادت تلتفت إلى توجيهاته بقلبها؟
إذا سُئلت المرأة المسلمة اليوم: هل تحبين النبي محمد صلى الله عليه وسلم؟
لا بدّ أن الجواب هو: نعم.
إليكِ أيتها المسلمة هذه النصيحة: الحبُّ إلهام وتواصل، إظهار وإعلان.
فماذا تعرف المرأة اليوم عن هَدْي الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم؟ وكم قصة روتْ لأبنائها عن هذا الرسول العظيم؟ وكم مرّة لهَجَ لسانها بالصلاة عليه محمد صلى الله عليه وسلم؟ وكم دمعت عيناها شوقاً إلى لقائه؟
لعلّ المرأة اليوم تحتاج إلى ثقافةٍ وعملٍ في آن معاً لتحظى بشرف مرافقة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وعند ذاك لا خسارة ولا ندم؛ ذلك لأن المرأة المعاصرة نراها تُعنى بثقافة الجمال وثقافة المال، وتَبْرع في مجالات عديدة من أمور الدنيا، وتفخر بها... وهذا يُعْتَبَر أمراً محموداً إذا اقترن بثقافة الآخرة.
فالتوازن ما بين حب الدنيا والعمل للآخرة أمر مطلوب... والغفلة عن حقيقة أنّ الله تعالى سيسأل كل إنسان عن عمله وماله وشبابه وعمره تؤدي إلى الندم والخسران.
قال تعالى: (يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون).
لذا فعلى المرأة أن تعيد بناء جسور العزَّة بهذا الدين، وتحمل هَمَّ خدمته بأساليب عصرية راقية، ولا يكون ذلك إلا بالتعمّق بقراءة السيرة المطهّرة وتطبيقها في البيوت والمجتمعات بكلِّ الحب.الحب الذي تحيا به المرأة بسبب تكوينها وفطرتها، بإمكانه أن يكون سبباً لإحياء قلبها وروحها.
المرأة المعاصرة لم تشاهد النبي محمد صلى الله عليه وسلمولكن بإمكانها أن تنظر إلى ما ترك لأمته من إرثٍ عظيم، كان للمرأة فيه نصيب كبير حتى في خطبة الوداع حيث قال محمد صلى الله عليه وسلم: «استوصوا بالنساء خيراً فإنهنّ عوانٌ عندكم ليس تملكون منهن شيئاً بعد ذلك».
فيا حبذا لو تعي المرأة ما كرّمها به محمد صلى الله عليه وسلم، عندها ستقول بكلِّ الحب: ليتني كنتُ أم أيوب لأحظى بكرامة ضيافتك يا حبيب الله محمد صلى الله عليه وسلم.