للتوّ صلّى الفجرَ إلى جانب زوجته على سطح باخرة مرمرة ، وفجأة اقتحمت مجموعات الكوماندوس الصهيوني باخرة مرمرة، والذين هبطوا بأعدادا كبيرة مدجَّجين بالأسلحة تسبقهم الكلاب المتوحشة المدربة ، وفور وصولهم سطح السفينة أطلقوا نار بنادقهم على مجموعات المتضامنين مع أهل غزة ، ويقع الشهيد صريعًا مُضرجًا بدمائه إلى جانب زوجته ليكون في طليعة شهداء الحرية .
على سطح الباخرة المليئة بالشهداء والجرحى لفظ الشهيد أنفاسه بعد أن أسندت زوجتُه رأسَه إلى حضنها الذي بلّله شلال الدماء النازف من جسده ، أنفاسه الأخيرة التي كانت تخرج وهو يردد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله مترافقة مع سبابته المرفوعة التي استراحت في يدي حبيبة عمره ورفيقة طريقه إلى غزة ، ومع أنفاسه الأخيرة كانت أنظاره تلقي نظرة الوداع الأخير على وجه زوجته ليطبع في قعر عينيه صورتها الأخيرة لترتفع روحه إلى الحبيب الأعلى حاملة معها أجمل صورة عاشت في قلبه وإلى جانبه. كانت زوجة الشهيد تنظر إلى عينيه وتتلمس جسده المدمى ، لتمسح بيدها رموش عينيه فتطبقها على ماعلق من صورتها ولتنتقل إلى إرشيف الفردوس الأعلى ، سائلة الله أن يتقبل زوجها شهيدًا وأن تلحق به ليتحقق حلم الزوجين الذي خرجا سوية مِن أجْله .
في حضنها رقد رأس الشهيد الذي اعتاد الراحة في نفس المكان ، ومع حزنها الشديد فإن عينيها رفضتا أن تبوحا بأي دمعة ، ومع حزنها سار شريط الذكريات الطويل ليزداد معها الحزن الشديد فقد استشهد صانع الأحلام ، ولم يبق إلى جانبها رفيق العمر الذي أقسم أن يكون في قافلة الحرية لفك الحصار عن شعب فلسطين في غزة ، لقد سافر بلا عودة الحلم الذي طالما قص لها عن أمنيته أن يموت شهيدًا من أجل فلسطين ، فلطالما بكى أمام التلفاز وهو يشاهد الصهاينة يتسلّون بقتل أبناء فلسطين العزّل ، أو يهينون رجالها ونسائها عمدًا ، وعندما جاء موعد الصعود الى سفينة مرمرة أقسمت زوجته أن تكون إلى جانبه لتشاركه نفس المصير ، وهاهو يسبقها إلى الجنة شهيدًابإذن الله.
زوجة الشهيد المضرجة بدم زوجها لم يرحمها أبدًا صهاينة العصر وقراصنته ، وإنما استمرّوا بإهانتها وأنزلوها من الباخرة مرمرة لتُسجن ويُعتدى عليها بالسُّباب ، كل مَن حولها عجب من صبرها واحتمالها ، وكلهم تألم لحالها ، لقد كانت زوجةً مِن عصرٍ آخر يشبه تمامًا عصر الصحابيات ، لم تحزن لأنها فقدت حبيب عمرها وإنما كان حزنها لأنها لم تفز بما فاز هو به.
في نفس الوقت كانت المحطات العربية تُحيي سهرات الفن والطرب ، بينما عدد المعتقلين لأسباب إسلامية يزداد نموًا ، وقوائم التعذيب لسجناء الرأي الإسلامي تزيد من أصنافها وفنونها ، في أحد البلدان العربية وفي نفس الليلة التي قُتل فيها شهداء الحرية دخل سجّان على أحد المسجونين وسأله مَن ربك ، فأجابه السجين المسلم: إن ربي الله ، وهنا أجابه السجّان: هذا خارج السجن ، أما هنا فأنا ربّك، وستسجد الآن لي، فأنا ربك الأعلى، وفعلها السجين بعد حفلة من السياط. وفي بلد آخر يُسجن عالم مسلم بتهمة الترويج للإسلام ، وفي بلد ثالث يغتصب الشيوخ والنساء في السجون...
متضامنوا العالم لم يجدوا عند قادة العرب سفينة واحدة يركبونها ولم يستفيدوا من أموال البترول وملياراتها مقدار ملّيم واحد ، ولكنهم وجدوا مرمرة التي رفعت هلال رمضان على متنها، وكانت مرمرة.