«نداء».. زوجةٌ في الأربعينيات من عمرها.. ولكنها تعيش حياة ضبابية مفقودة الحلقات، يلفّها الاكتئاب، ويطبعها الفراغ والوَحشة...
أما أولادها الأربعة فهم يعيشون حياة الحَيْرة والشتات.. ويشعرون بقلوبهم فارغة من داخلها.. لا يملؤها سوى الأنين الصامت المتشوِّق إلى طَعم الأبوّة. وتعيش «نداء» فراغاً نفسياً وعاطفياً وأُسرياً يُحكِمُ الخِناق حول روحها وحياتها.. إنها زوجة مع وقف التنفيذ.. لماذا؟!
«نداء» و«مروان» زوجان في الأربعينيات من عمرهما بدآ حياتهما بالفرح كما تبدأ كل حياة زوجية.. كانت «نداء» تطمح إلى حياة تملؤها السعادة، ولكن آمالها بدَّدتْها رياح هوجاء، حيث بدأ «مروان» يتخلى عن واجباته ومسؤولياته ويعتبر منزله وأسرته فندقاً يأوي إليه في آخر الليل.. ويقابل نزلاءَه في الصباح مقابلة الغريب للغريب الذي يراه كل يوم: تحيةٌ وسؤال وإجاباتٌ عَجْلى.. ثم يخرج مسرعاً إلى عمله.. ومع انتصاف النهار يعود إلى الفندق ليتناول طعامه ويأخذ قسطاً من الراحة.. ثم ينسلُّ بخفة ويُسرع إلى مزيد من العمل... فإذا اقترب الليل عاد بعد أن يئس من عودته أولاده الذين يتمنَّوْن أن يبقى معهم.. أن يُجلسهم في حضنه.. أن يحادثهم أو يمازحهم.. ولكن! إنها الأماني البعيدة...
وكَبِر الأولاد.. وازداد الفراغ المُوحش في دواخلهم.. وها هو يتحول إلى وحش مفترس ينقضّ عليهم ليحوِّلهم إلى حياة الضياع والتدخين.. أو الرذيلة والمخدِّرات..
اجتهدت «نداء».. وقاتلت ببسالة.. وانتبه «مروان» ولكن بعد فوات الأوان.. وها هو يدفع الثمن..
يقول خبراء السعادة الزوجية:
· إنّ التحليل النفسي لحالة مروان يؤكد أنّ هناك حلقة مفقودة في داخله وفراغاً نفسياً يحاول أن يملأه بالعمل.. كما أنّ هناك مَن يملؤه برفاق السوء أو بالخمر أو بالمخدِّرات، ولكن هيهات.. وهكذا يظل في حالة إدمان.. وهذا الفراغ لا يملؤه إلا الإقبال على زوجته، فهو يشعر داخلياً بافتقاد شيء ما ولكنه لا يبذل جهده لمعرفته.. إنه نصفه الآخر..
· كثير من الأزواج وكثير من الآباء يبرِّر تقصيره بانشغاله بالعمل وتحصيل المال، وهذا عذر مردود على صاحبه.. فماذا ينفع المال إذا سقط أحد الأبناء في براثن أصدقاء السوء أو عصابات المخدِّرات؟! وماذا تُجْدي الثروة والمَنْصِب إذا وقعتْ الزوجة في هاوية الاكتئاب أو المرض النفسي؟!
· كثير من الأزواج ينتهز فرصة سكوت زوجته وصبرها.. فيُعطي لنفسه الحرية في التخلي عن مسؤولياته، وينسى أن لكل شيءٍ ثمناً.. وهكذا يدمر سعادته من حيث يظنّ أنه سيجني السعادة أضعافاً!
· أهم ملاحظة لخبراء السعادة الزوجية هي: أنّ التخلي عن مباشرة المسؤوليات يقود إلى مزيدٍ من التخلي ومزيدٍ من الانغماس في المشاغل.. بينما يساعد ضبط الأمور على إعطاء النفس حظّها مع موازنة حقوق الزوجة والأولاد.
· همسة إلى كل زوج: إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عن التقصير بحقوق الأهل، ولو من أجل العبادة ولم يسمح به، وقال: «إنّ لأهلك عليك حقاً»، فكيف بالانغماس في غير ذلك؟! فراجِعوا أيها الأزواج أنفسكم، واجعلوها فرصة لبَدء صفحة جديدة تغرِّد فيها طيور السعادة والهناء.