كم بكيت ليالي طِوالاً شوقاً: متى يا ربي؟ متى يحين الموعد؟
وكم شعرت بحرقة ومرارة عندما كانت تطرق مسامعي عبارات: (لا يمكنك الذهاب، مَن هنّ بعمرك لا يُسمح لهن بالحج، انتظري عدة سنوات أُخَر)، كنت أقضي بعدها معظم الليالي في تهجد ودعاء وصلوات وأنا أسأل الله عز وجل الإذن لي بزيارة بيته الكريم وإتمام فريضة الحج العظيمة... إلى أن أتى أمر الله وسُمِحَ لي تقديم المعاملات الرسمية لأداء هذه الفريضة المقدسة برفقة شقيقي مَحْرماً لي، وحينما بدأت حملات وقوافل الحجاج بالمسير، بدأت بتهيئة نفسي، وأوّل أمر فعلته هو أنني استسمحت كل من يعرفني ثم جهّزت ثيابي وحاجاتي وحقيبتي، وبدأ الانتظار... ويا له من انتظار طويل; ففي داخلي الأشواق تشتعل، وذكر الله في قلبي لا يتوقف، وعلى لساني الدعاء لا يفتر، والنوم فارق عيني من كثرة الحنين، يا إلهي! ما أعظم هذه المشاعر التي يختزنها قلبي...
وحان الموعد; فهذا المساء ستقلع طائرتنا لتحملني إلى المكان الذي تمنيت زيارته. وقبل الانطلاق إلى المطار اغتسلتُ وارتديتُ عباءة بسيطة مريحة تتحمّل وَعْثاء السفر، وصليتُ ركعتين لله تعالى على نية التوفيق في سفرنا وتسهيله، ووقفت بالباب مستودعة عائلتي وأهلي وجيراني وأحبابي عند الله تعالى الذي لا تضيع ودائعه. وصلنا إلى مطار جُدة حيث قضينا بِضع ساعات في ساحاته ونحن ننهي المعاملات الرسمية للدخول، وكانت الحملات من كل أقطار الأرض تتوافد تباعاً وحشود الحجيج منتشرة في كل مكان في مشهد لم أر له مثيلاً في عمري. وبدأت القافلات تغادر إلى مدينة مكة المكرمة، فاعتراني إحساس قويّ بالشوق.. فها هي مجرد سويعات قليلة وأمتّع بعدها ناظريّ برؤية البيت العتيق! وصلنا إلى السكن الذي سنقيم فيه، ووضعنا حاجاتنا واستبدلنا بثيابنا ملابس أخرى نظيفة، ثم توجهنا بكل أدب وثبات مُلَبِّين إلى الحرم المكي. وكم كانت دهشتي شديدة; فهذا المكان أكبر بكثير مما تصورت، وحينما دخلنا من باب السلام - الباب الذي كان يدخل منه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم - طلب منا المعرّف التأني في السير، وبدأ يشوِّقنا حتى كادت القلوب تسير أمامنا من شدة الخفقان: «بعد لحظات ستكون الكعبة أمام أعينكم جميعاً.. وأخيراً ستكحلون أنظاركم ببهائها وعظَمتها... ها هي أمامكم» وأشار بيده إلى أقدس بقعة في الأرض... إلى الكعبة. أغمضتُ كلتا عينيّ ودعوت الله عز وجل من كل قلبي، ولما فتحت عيني كنت مباشرة أمامها... يا ألله يا ألله يا لعظمة المكان! مجرد إحساسنا بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطوف هنا ويجلس ويعيش هنا، له تأثير عظيم في النفس. استلمنا الحجر الأسود والكعبة على يسارنا بنية الطواف سبعة أشواط للعمرة وبدأنا بالطواف.
لبثنا في مكة المكرمة بضعة أيام ونحن نعيش مع بعضنا في السكن عائلة واحدة متماسكة، نتعامل فيما بيننا بكل أدب واحترام وتعاون... صغيرنا يساعد كبيرنا، ننظف ونطهو ونغسل ونأكل معاً لا حقد بيننا ولا بُغْض... نساعد فقيرنا دون إحراجه... نذهب ونطوف معاً حول الكعبة... ونجلس نقرأ القرآن الكريم... ومضى الوقت ولم نشعر إلا وقد أقبل الثامن من ذي الحجة (يوم التروية). توجهنا إلى مسجد السيدة عائشة رضي الله عنها فنوينا أداء فريضة الحج وصلّينا ركعتين توجهنا بعدهما إلى مِنى لقضاء الليل، وفي الصباح توجهنا إلى عرفة حيث قضينا طَوال اليوم في صلاة ودعاء وخشوع واستغفار إلى أن حان وقت النفرة من عرفات إلى مزدلفة.
مكثنا في مِنى ثلاثة أيام نرمي الجمرات، وبعد أن أنهينا أداء هذا النسك حان وقت الرحيل... كم هو موقف أليم!! صَعُب عليّ فِراق هذا المكان العظيم الشريف حيث لا رياء ولا كذب ولا نفاق... حيث الناس سواسية كأسنان المشط لا فرق لعربي على أعجمي... حيث الناس من جميع الدول عربية كانت أو أجنية ينطقون عبارات واحدة تجمعهم وتوحدهم (لا إله إلا الله... محمد رسول الله... لبيك اللهم لبيك... لبيك لا شريك لك لبيك) ويرتدون ثياباً بسيطة لا تبرج فيها ولا زينة.
أدّينا طواف الوداع وكل ما ينبض بأجسادنا يعتصر من شدة الألم؛ فالفراق صعب جداً... خرجنا من المسجد وقلوبنا تنزف ألماً وحسرةً، والدموع تنهمر. حملنا متاعنا وغادرنا مكة المكرمة متوجهين إلى المدينة المنورة، مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم.
وصلنا إلى سكننا هناك فجراً ولم نستطع المكوث طويلاً، فالشوق لزيارة الرسول صلى الله عليه وسلم يلحّ علينا... بسرعة وضعنا أمتعتنا وذهبنا إلى الحرم النبوي الشريف، حيث صلينا في الروضة الشريفة، وألقينا التحية على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى سيدنا أبي بكر رضي الله عنه وسيدنا الفاروق عمر رضي الله عنه ساكني المسجد الشريف.
قضينا بضعة أيام ليس لها مثيل: أداء الصلاة على وقتها في المسجد النبوي... خشوع لم أشعر به في حياتي وكأن على رأسي الطير؛ أما الحجيج فيتعامل بعضهم مع الآخر بكل أدب واحترام وبدون تكلّف ولا رياء... حياة بسيطة جميلة، والأجمل أن السِكينة في هذه المدينة الطاهرة وهدوء أهلها ومحبتهم للزائرين وخدمتهم والسهر على رعايتهم وراحتهم تُشعرك وكأن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ما زال يتنقل في شوارع المدينة ويعيش فيها؛ فكيفما نسير نشم الروائح الزكية الطيبة... سبحان الله! فهذه المدينة حقاً اسم على مسمى... طيبة.
حينما عدتُ الى بيروت وعدت إلى عملي ومزاولة حياتي عاهدتُ نفسي أن أكون دوماً كما في تلك الأراضي المقدسة: أعتني بالضعيف، وأهتم لأمر الفقير، لا ضغينة في قلبي ولا فسوق ولا رياء ولا كذب، وطلبت من الله عز وجل أن يُبقي أثر هذه الفريضة العظيمة المبجّلة، محفوراً في قلبي... مؤنِساً لِروحي ومبرِّداً لأشواقي...