الطلاق... ظاهرة تستحق الدراسة



الطلاق... ظاهرة تستحق الدراسة

 

قبل قرون عديدة كان الناس يعيشون في بيوت مصنوعة من القش أو الطين أو الجلد، وكان مظهرها يوحي بالوهن والضعف، إلا أن داخلها كان مبنياً بالحب والمودة والرحمة، راسخاً رسوخ الجبال، عميقاً عمق البحار، شامخاً شموخ النخيل في الواحات، متماسكاً تماسك تربة الأرض. أما اليوم فالبيوت تبنى بالحديد والإسمنت، وتلفّها الأحجار منعاً للبرد والحَر، وحذراً من عوامل الزمن، ولكن داخلها هش، كرمادٍ في يوم عاصف ما له من قرار، يهتز من النسيم وينهار أمام أول ريح.
إنها لظاهرة تستحق الدراسة؛ فالبيوت ما عادت آمنة وما عادت تعطي السكينة والهدوء لأهلها، وعلى رأس القائمة الزوجان اللذان أعطاهما المولى تبارك وتعالى رخصة أبدية أن يستمتعا معاً ويعيشا معاً ويبنيا بنياناً راسخاً مجبولاً بأسمى المشاعر من الحب والتقدير والاحترام ليخرج من صلب هذا البنيان أسرة متماسكة تستطيع أن تكون لَبِنَةً في مجتمع صالح مصلح بعيدٍ عن المفاسد والمعاصي والآفات.
ولكن ما نراه اليوم في المجتمعات المسلمة تدمع له العين ويحزن له القلب، فقد ارتفعت نسبة الطلاق بين المتزوجين في بعض مجتمعاتنا إلى 30٪، ورغم أن الطلاق مشروع في الدين إلا أنه أبغض الحلال عند الله لما قد يسبّبه، بَدْءاً بإفشاء أسرار الزوجية التي يجب الحفاظ عليها وانتهاءً بتدمير البيوت والأُسَر وتشتُّت الأطفال وتقطّع الصِّلات بين الناس.
والطلاق يتعدى تأثيره الفرد أو الزوجين ليشمل المجتمع، وأطراف العلاقة المتضررون من الطلاق يلحقهم الأذى النفسي والمعنوي لفترات طويلة.
والغريب في الموضوع أن كثيراً من حالات الطلاق تكون لأسباب يمكن معالجتها، وفي أحيان كثيرة يكون مردّها إلى الغضب والانتصار للذات، فهل الطلاق سلاح يُبرزه الرجل لبَسط نفوذه وإثبات رجولته؟ وهل يُطلّق الرجل متى أراد الطلاق؟ وهل أصبحت قوة المرأة سيفاً مسلّطاً على رقبة الزوج يحاول التخلص منه بالطلاق؟
تساؤلات كثيرة، وهي ليست جديدة، فقد ناقشها الكثير من المفكرين والعلماء، ولكن يبقى السؤال: هل تلعب المرأة دوراً في زيادة نسبة الطلاق؟
لا شك أن التغييرات الاجتماعية والاقتصادية التي حدثت في العقود الأربعة الأخيرة بالتحديد في أنحاء العالم كافة قد غيّرت من الدور الاجتماعي للمرأة بحيث أصبحت أكثر قوة داخل الأسرة، وهذا لا يعتبر أمراً سلبياً، ولكن قد يشعر الرجل أن هذا التغيير يهدّد مكانته داخل بيته.
وفي الواقع إنّ قوة المرأة داخل بيتها وفي إدارة شؤونه تزيد من تماسك الأسرة إذا كان ذلك بالتفاهم والتناغم مع الزوج، وهذا لا يلزم منه أن تحتل المرأة مركز القيادة وتأخذ دور زوجها، بل على العكس: تعتز به وتشد من عَضُده وتؤيد مواقفه وتدعم أقواله أمام أفراد الأسرة، ولا بأس من النقاش خارج هذا الإطار لمراجعة بعض التصرفات والوقوف على أسبابها. إلا أن كثيرات من النساء لا يُحْسِنّ القيام بدور نائب الرئيس، فتقوم بتوبيخ زوجها أمام أولادها مما يهز صورة الوالد ويدفع الأبناء للاكتفاء بمشاورة الوالدة والأخذ بآرائها فقط واعتبارها المرجع في كل الأمور التي تتعلق بمصالح العائلة بشكل عامّ، مما يزيد الأمر سوءاً نظراً لأن الأب هو ركن المنزل الشديد وهو المسؤول عن توفير الأمان للزوجة وللأبناء على حدٍّ سواء.
ولو أردنا أن نفصِّل في أسباب الطلاق ودراسة هذه الظاهرة دراسة متأنية وموضوعية لاحتجنا إلى حلقات متتالية، ولكن بالإمكان الإضاءة على بعض الأسباب التي زادت من نسبة الطلاق في الآونة الأخيرة، وعلى رأسها:
وسائل الإعلام: حيث ينقل الإعلام المرئي في كثير من الأحوال صوراً خيالية غير واقعية للحياة الزوجية؛ فالزوج شاب وسيم، أنيق، ومترف، يُغدق على شريكة حياته الهدايا بمناسبة وبغيرها، والزوجة جميلة «جمال الحور العين»، متفرغة لزوجها ولمناسباته وسهراته، لا شأن لها بما يُرهقها داخل بيتها، وهي غير مسؤولة عن أي أمر؛ فالطباخ موجود والخادمة أيضاً ومربية الأطفال وغير ذلك مما نراه في المسلسلات والبرامج.
وسرعان ما يصطدم الخيال بالواقع، وينهار الواقع أمام قوة الخيال، ويفضل الكثيرون العيش في الخيال الذي أحبّوه ويبقَوْن في رحلة البحث عن أحلامهم وخيالهم، ضاربين بالحياة الزوجية والأسرية عرض الحائط.
المداخيل المادية: حيث كَثرت المتطلبات المادية في هذا العصر وكثرت المغريات التي تدفع الناس بشكل عام إلى الشراء والبحث عن طرق لإرضاء الذات من مأكل ومَلْبس وأثاث، مما حَمّل المرأة والرجل على السواء أعباء جسيمة لا يستطيعان الصمود في وجهها كثيراً.
ويظنان أن الحل هو الانفصال بحيث يحقق كل منهما أحلامه على طريقته، قبل أن يدركا أن الأحلام دُفنت في مقبرة الطلاق.
عدم الرضا والقناعة:ويعتبر عدم الرضا والقناعة نتيجة للانفتاح بين الشعوب والحضارات، وكذا للترويج للصورة اللامعة للدُّور والقصور التي يعيش فيها الأزواج، فضلاً عن المقارنة التي تحصل لدى الرجال والنساء على السواء بين ما يرَوْن على الشاشات وبين واقعهم الذي يكون في بعض الأحيان متعباً وأليماً، مما يحدو بالشريكين إلى محاولة التغيير بحثاً عن حياة أفضل وجمال أكثر ومالٍ أوفر. وفي بعض الأحيان يكون الغِنى وكثرة المال سبباً لعدم القناعة بحيث يستشعر الرجل بالذات أنه بماله يستطيع أن يغيّر ويبدِّل النساء لمجرد التغيير دون وجود الأسباب المقنعة لذلك.
ولا يخفى على أحد أن حالات الطلاق زادت نِسَبها بشكل غير مقبول في بعض الدول العربية والإسلامية، وتعتبر تونس الأعلى في نسب الطلاق بحيث يوجد مطلقة كل ست دقائق!!!
ولعلَّ الحصن من الطلاق هو العودة إلى السُّنة والشريعة السمحاء التي أسست البيوت على تقوى الله، قال صلى الله عليه وسلم مخاطباً الرجل: «فاظفر بذات الدين تَربت يداك» وأشاد بالرجل صاحب الدين وشجّع على تزويجه لأنه: «إن أحبها أكرمها وإن أبغضها لم يظلمها» كما قال صلى الله عليه وسلم.
ورحم الله أجدادنا الذين ما عرفوا غير زوجاتهم وما نظروا لغيرهن، فاستكانت البيوت واستقرت، وأثمرت حياتهم حباً وألفة... لا طلاقاً... وانهياراً.