كيف ستعيشين رمضان؟



كيف ستعيشين رمضان؟

رمضانُ ضيف ليس كأي ضيف.. عندما يحلُّ يصبح ربَّ البيت الآمرَ الناهي، محلَّ الإكرام والترحيب والحب والاحترام.. ذلك أنه يأتي محمّلاً بالهدايا والعطايا، يطرق الأبواب، وهي مفتَّحة لاستقباله، يستأذن بكل دماثة ورُقيّ، رغم أن الإعلان عن وصوله سبقه بشهر أو أكثر..

إنه ضيف مختلف، يستطيع أن يفرض على أهل البيت نظام حياة خاصاً به.. ومن عجب أنهم يرضَون ويرضخون.. وهو في فرض ما يريد حازم صلب، لا يتهاون ولا يتنازل، يفرض علينا أن نعيش ما يشبه معسكراً كشفياً نخضع خلاله جميعاً لأسلوب حياة واحد: أمة بأكملها تعيش البرنامج نفسَه والواجباتِ نفسَها (من ذا يستطيع أن يفرض نظاماً واحداً على أكثر من مليار شخص في الوقت نفسه من العام؟).

يَخضع الجسم للحرمان والتقنين، وتخضع النفس للتهذيب والتصويب، وينصرف العقل نحو تأمل أبعاد وغايات وجمالات هذه العبادة الفريدة، التي لا يستطيع رفضها، رغم مشقتها!!

دورة مكثفة صارمة في حُنوّ، صلبة في مرونة، نتحمّلها في صبر بهيج،  كفتًى مدلّلٍ اختار أن ينضمَّ إلى معسكر ما، أو رياضة صعبة ما، تتطلب تدريباً قاسياً، فإذا هو في نهايتها يشعر بسعادة غامرة، يمتنّ من شدّة مدرِّبيه، لأنهم وجّهوه نحو تحدّي نفسه، واستخراج أقوى وأطهر ما في داخله، بعد أن كان يعيش بالحد الأدنى من قدراته.

فكيف ستعيشين رمضان؟

- أدّي الصلاة على وقتها مهما تكن الظروف، فهي المعادل - والله أعلم - لصلاة الرجل في المسجد.

- إن لم تكوني من أصحاب صلاة السنن الرواتب فافعلي، إنها الاستعداد والتهيئة لدخول الفريضة، وهي بعدها فترة فصل وأمان بينك وبين شَغَب الدنيا وهمومها.

- لا تسهري حتى السحور، بل نامي وانهَضي وتسحّري (ولو رمزياً) لتعبِّري عن حبك للاقتداء بخير الخَلْق وأكمَلِهِم عبادةً وعملاً: نبيِّنا محمد r، هذا يقوّي من شعورك بالحال الرمضانية: نوم ثم نهوض، وهو أشقُّ من متابعة السهر..

- قاومي المسلسلات (الرمضانية!!): لن أقع في هذا الفخ (إنه مكشوف جداً)، لن أسمح لكم بسرقة شهري، لا أرضى بتغييب عقلي وقلبي عن مراقبة ربي.

 وهذا نوع من المقاومة لا يستطيع أحد أن يؤاخذك عليه، أو يطلبك للتحقيق من أجله!!

-  قلِّلي من الطعام عند الإفطار.. تصبحي أسعد نفساً، وأنشط للعبادة.

 - انسَيْ حياتك الاجتماعية، إلا الواجبات الأساسية.. كان أجدادنا من العلماء يتركون حتى مجالس العلم للتفرُّغ للعبادة.

- لا تقصدي السوق إلا لضرورة وخاصة في العشر الأواخر.. ولا أفصِّل ولا أشرح.. بل الإنسان على نفسه بصيرة.

- احذري الرياء وراقبي نزَعات النفس بدقة، لابد من عملٍ بعيد كل البُعد عن كل الأَعين، بينك وبين ربك الذي يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور.

أخيراً:

تأملي حبَّ رب العالمين إيّانا، دعوته لنا: لقد سمح لنا (وهو الرقيب علينا كلَّ حين) أن نعيش العامَ بطوله (معظمُنا معظمَ الوقت) حياة الحدّ الأدنى من الطاعات وضبط النفس، منصرفين إلى شؤون ارتضاها لنا، وجعلها عبادة ما دُمنا نُسهم في إعمار الأرض، ثم دعانا أنْ يا عباديَ الطيبين الذين طال انصرافهم إلى دنياهم، وأرهقت شؤونُ العيش قلوبَهم وعقولهم.. إنه أوان معسكركم، شَمّروا وتعالَوا ولكم عندي من الجوائز ما تلمسون وتدركون، وما لا تلمسون ولا تدركون إلا بالتدقيق وثاقب النظر والفكرة.. غيرَ ما ادّخرت لكم يوم تلقَونني.

أيُّ دعوة منكَ يا ربنا الكريم الرحيم، وكيف يكون الجواب منا نحن الذين ما خُلقنا إلا لعبادتك، وما طمعنا بشيء قدْرَ طَمَعنا برحمتك وعفوك ومغفرتك؟