أن نُعْرَف..

نظرة أولى إلى أمور كثيرة من حولنا قد تُعدُّ أوّل اصطدامٍ قد يُساهم في بحثنا عمّا يمكن أن ينتظرنا في الأعماق، نظرة أولى قد تكشف فيها العين رموزًا تمكّننا بعد تمحيصها من سبر أغوار ما ترتبط به فتصل بنا إلى حقائقَ مدهشة.. فبالنظر إلى قطعة قماش اتّخذتها فئة من الناس علمًا لبلادهم، سنحدّد قصّة وثقافة وتقاليد شعبٍ بأكمله، ليكون العَلم هنا “هُويّة” أخفت وراءها أبعادًا عميقة..

وباعتبار “الحجاب” أمرًا تلْحظه العين، ليس لوضوحه توارٍ عن الأنظار، كعلم على رأس صاحبته، فإنّه يُعدُّ “هُويّة” تُحدّد مرجعيّة مرتديَته الدّينيّة والقيميّة. هويّة؟! وماذا في ذلك؟

الهويّة هي ما يُعرّفنا بنا وما يعرّف عنّا، ما يعرّف عن أصلنا، عن قيمنا وعن تاريخنا، وأحيانًا- إذا ما تفكّرنا قليلاً- عمّا يمكن أن يكون عليه مستقبلنا.. هي ما يحمل في باطنه أعمق من ظاهره.

والمقلّل من قيمة الممثّل الظاهر(الهويّة) يدرك في الحقيقة أهميّته وأنّ مكانه لن يكون شاغرًا أبدًا إذا ما وَهِن، وأنّه عندما تسنح الفرصة سيمتلأ الفراغ بأوّل ما سيجده أمامه: سيل عارم من القيم التي يروّج لها هو، والتي هي جزء من هويّته التي يعظّمها هو، فيدعو إلى التّحرّر وينادي بقيم وضعها البشر، لنكون أمام استيطان هويّة جديدة جُبلت في قوالب بشريّة صيّرها الهوى…لكن من بين الهويّتين، الربّانيّة والبشريّة، تلتزم الكثير من المسلمات (طوعًا أو كرهًا،  مدركات لأهميّة ما يضعنه من هويّة مفروضة أو آخذات الأمر كعادةٍ اجتماعية متوارثة، أو لأسباب كثيرة أخرى) بتلك التي اختارها- لهنّ تحديدًا- من هو أعلم بهنّ منهنّ، الخالق سبحانه، تمامًا كما خَصّهنّ بتلك الوظيفة العظيمة: الحمل والولادة. هويّة اختلفت أقمشتها وألوانها وأشكالها على مرّ التاريخ، لكنّها حافظت على مواصفاتٍ أساس، وعناوين عريضة ربّانية، ضمِنت مناسبتَها الكثيرَ من النساء على اختلاف أعراقهنّ وجنسيّاتهنّ وبلدانهنّ وعصورهنّ.

وفي خضمّ الحروب التي تشنّ على الحجاب، قد يتلوّى الكثير من معارضيه بتفسيرات النّصوص القرآنيّة التي تدلّ على فرضيّته، فيقولون مثلاً أنّه فُرض لفترة زمنية تاريخيّة محدّدة قد انتهت، ولا داعي بالتالي للاستمرار في وضعه، بما أنّ سبب نزول الآية الأولى التي أشارت إليه كان للتمييز بين الإماء والحرائر في ذلك الوقت وبما أنّه لم يعد هناك إماء فلا داعي لوضع الحجاب.

نعم كان هذا سبب النزول كما ذكر الإمام القرطبيّ، أنّ الحرّة عندما كانت تخرج للتّبرّز في الصّحراء قبل اتّخاذ الكُنُف كان يتعرّض لها بعض الفجّار يظنّ أنّها أمَة فتصرخ فيه. وبعد أن شَكَت النساء ذلك إلى النبي نزلت الآية: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) [سورة اﻷحزاب : 59]

لكنّ الآية هنا واضحة لا تحتملُ التأويلات: “قل” فعل أمر، يأمر الله تعالى النبي عليه الصلاة والسلام أن يقول: “لأزواجه” و “بناته” و “نساء المؤمنين”، لمَ لم يحدّد “النساء في عصرك” أو “النساء الذين آمنوا معك”؟

“نساء المؤمنين” قول صريحٌ يشير إلى استمرار الأمر وعموميّته وعدم تحديده بزمانٍ أو مكان..

مُرْهنَّ يُدنين عليهنّ من جلابيبهن لكي تُعرفَ هُويّتُهُنَّ بأنهنّ حرائر فلا يُؤذَيْن (وفي زمننا لكي تُعرف المسلمة من غيرها فلا تؤذى)، لأنّ أيّ مساسٍ بهنّ وبهويّتهنّ سيحدث أذى وضياعًا كبيرًا..

ثمّ نزلت الآية ٣١ من سورة النّور التي تبدأ أيضًا بصيغة الأمر “قل للمؤمنات” لتفصّل شروط هذا الحجاب أكثر،  والتي يؤوّل معارضو الحجاب فيها الخمار في (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ) بأنّه غطاء للجيب فقط (والجيب هو فتحة القميص أو النحر أو العنق أو الصّدر)، بيد أنّنا إذا بحثنا في أيّ معجمٍ سنجد أنّ “الخَمْر” سمّي خمرًا لأنّه يغطّي الرأس، وأنّ الخمار ما يضعه الرَّجل على رأسه وبالتالي فإنّ الخمار للمرأة ما يغطي رأسها.. ليكون أمر التّغطية حسب الآية بالخمار، غطاء الرأس، المضروب المُسدَل على الجيوب..

ورغم وجود عدد كبير من المحجبات فإنّ كثيرًا من المسلمات أيضًا لم يلتزمن بعد بالحجاب، فهُنّ قد يؤدّين الفرائض من صلاة وصوم وزكاة وحج فضلاً عن أخلاقهنّ العالية، وقد تكون هؤلاء أكثر التزامًا وأخلاقًا من بعض المحجبات اللواتي لم يفهمن من الإسلام أوالمجتمع من حولهنّ إلا أنّ عليهنّ تغطية رؤوسهن بقطعة قماش، هذه الفئة التي لم تضع الحجاب بعد، ربما لم تدرك أهميّته من هويّة مفروضة، وربّما تعصف بها بعض الهواجس والشبهات التي لم تلقَ لها توضيحًا حتى الآن، كأن تقول:

أنا أؤدي ما عليّ من فرائض لكنّني لم أقتنع بالحجاب بعد

إنّ الصّلاة والصّيام والزّكاة والحجّ فرضت علينا كما فُرض الحجاب على المسلمات، ومصدر الأمر واحد من عند الله سبحانه وتعالى، فلا يصحّ الإيمان ببعض ما فرض الله وتركُ بعضه الآخر

(أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) [سورة البقرة : 85]

ولعلّ القول بأنّ نفسها أضعف من أن تتّخذ خطوة وتلتزم بالحجاب أفضل من قولها لم أقتنع بعد به..

الإيمان في القلب

إنّ إيماننا بالأفكار من دون السعي والعمل على تطبيقها لن يحرّك ساكنًا.. ولن يُنجَز شيءٌ أو تُسَيّر أمور البشر إذا ما اقتصروا واكتفوا بإيمان القلوب..

وقد عرّف العلماء الإيمان بأنه:” ما وقر في القلب وصدّقه العمل”

إذ اقترنت جميع الآيات في القرآن الكريم التي تذكر الذين آمنوا بالعمل الصالح، إشارة إلى أنّ الإيمان مقترنٌ بالعمل

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا) [سورة مريم : 96]

* لم يهدني الله بعد

إنّ الهداية لا تسقط دائمًا على صاحبها فجأة من السماء، فالله سبحانه وتعالى وضع خيوط الهداية أمام العالمين ورزقهم عقلًا لاستقرائها وبلوغ سبلها، وباعتبار جهاد النفس نوعًا من أنواع الجهاد، يقول الله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) [سورة العنكبوت : 69] فاسعي لتحصيل الهداية بمجاهدة النفس والإلحاح في الدعاء طلبًا للهداية. كما أنّ محاولة إيجاد من يعينك على ذلك ويشجعك سيُعدّ أمرًا حسنًا، ومع البحث والتفكّر في آيات الله، فإنّ عليكِ محاولة ترك كلّ ما يعيق سبب هدايتك من رفاق سوء أو ظلمٍ للنفس أو للآخرين أو فسوق أو كفر (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)، (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)، (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ).

الحجاب يقيّد المرأة ويحدّ من حريّتها ولم أولد حرّة لتكبلني القيود..

على العكس تمامًا فقد فُرض الحجاب لكي تستطيع المرأة أن تتعامل مع غيرها في المجتمع مع عدم إبراز مظاهر أنوثتها، شكلاً وتصرفًا وقولًا، فلا يحدث تشويش أو اضطراب، ويسير كل شيء كما يجب أن يكون، على طبيعته وجوهره الحقيقيّ…لأنّها ولكي يزدهرعطاؤها وتكون قويّة الشخصيّة يجب أن تكون جميلة لأجل نفسها..

تقول  نعيمة روبرت في كتابها الشّهير نساءٌ اعتنقن الإسلام أنّها سألت امرأة مصريّة عند رؤيتها الحجاب لأول مرّة عن سبب تغطية رأسها مع أنّها فاتنة فأجابتها:” لأنني  أريد أن يحكم الناس عليّ بما أقوله وأفعله، وليس بما أبدو عليه…بووم!…كنت أنا وصديقاتي مرتاحات تمامًا للفكرة القائلة: إنّ مظهرنا الخارجي ميزة لنا ونستطيع السّيطرة على الرّجال بهذه الطريقة….كان عليّ التوقّف قليلاً وتسجيل ملاحظة! ما الذي كانت تعنيه؟ هل تريد إزالة المظاهر الجسديّة من المعادلة؟” أخذت تفكّر في الإسلام “الذي يجعل المرأة قويّة جدًّا لدرجة أنّها لا تبذل كلّ ما بوسعها للفت انتباه الرّجال، ولا تحتاج إلى نظرات الإعجاب تلك لتشعر أنها جذّابة، ولا تَعرِض نفسها لمجرّد أنّ باقي العالم يفعل ذلك؟” وسألت نفسها أخيرًا ما إذا كانت تتحلّى بالشّجاعة، والثّقة، والتّقدير الذّاتيّ للمضيّ قُدُمًا بشخصيّتها وتفكيرها فقط. اصطدامٌ أوّل، نظرة أولى إلى الحجاب ولّدت تساؤلًا، ثمّ ترك الجواب وقعًا عظيمًا دفع نعيمة لتتحدى نفسها وتضع الحجاب ثمّ تسلم لاحقًا..

ما زلتُ صغيرة…أو سيقف الحجاب عائقًا أمام حياتي الزوجيّة..

إنّ الله سبحانه وتعالى أعلم بالعمر المناسب ليفرض فيه الحجاب، فضلاً عن أنّ النفس البشريّة بطبيعتها تحسُّ دومًا بأنها صغيرة وأنّ أمامها الكثير لتجرّبه ممّا تحمله هذه الحياة الكبيرة، فإلى متى ستبقين صغيرة؟

أمّا عن الحياة الزّوجيّة، فما دام الله قد كتب الزواج لك فلا رادّ لما كتبه الله، وزوجٌ ينكحُكِ لدينك وخُلقُكِ وطاعة ربّكِ أفضل لكِ ممّن يهتمّ بالمظهر فحسب، لأنّه اختار فيكِ الأثمن: جوهرك…

وختامًا، حسمكِ الأمر سيكتنفه بعض الألم، وأكثر ما سيتألم نفسك عند منازعتها الهوى، لكن، من تركَ شيئًا لله عوّضه خيرًا منه، “وأجلّ ما يعوّض به : الأنس بالله ومحبته، وطمأنينة القلب به، وقوّته ونشاطه وفرحه ورضاه عن ربه تعالى” كما قال ابن القيّم رحمه الله.. ولعلّنا نستشعر ذلك في قول ناديا في كتاب “نعيمة روبرت” السابق الذكر:” عندما خرجت من المنزل مرتدية الحجاب، شعرت بأنني جميلة في عيون الله، شعرت بالحماية والوقاية، شعرت كأنّ شخصًا يحرسني”.

 

الكاتبة: جميلة الأيوبي

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *