عثمان بَظَان مُختار التُّركمان في لبنان أًمِّيّ عَلَّم وعَمّر وحَرّر (1938 – 2014م)

القهوة المُرّة ” الباظانية ” مِن ثوابت مناسبات أزهر البقاع! فالحاج أبو محمد عثمان بظان أحد أولياء أمور الطلاب، وكان ابنه فرحان زميلي في الدراسة سنة 1988م.

هذا ما كنت أعرف عنه يومها، لكني اكتشفت بعد 23 سنة أنه شخص عصامي صاحب مشروع طويل النفَس.

ولد عثمان سنة ١٩٣٨م، ونشأ فقيراً في عشيرة من البدو الرُّحَّل؛ يتنقلون طلباً للماء والمرعى في سهل البقاع اللبناني شمالاً وجنوباً.

بَدَتْ عليه ملامح الشجاعة والريادة منذ صغره، وأقنع العشيرة سنة ١٩٦٩م بأن يشتروا أرضاً قريبة مِن بعلبك ليبنوا بيوتاً يستقرِّون فيها؛ وهكذا أُسِّست قرية “الشّحيمية”.

كان عثمان راعي غنم، يحافظ على صلواته، أمَّا والده فكان يتخوَّف مِن أن تشغله صلاة الجمعة عن الأغنام.

فتح أبو محمد سنة ١٩٨١م ملفّاً جديداً أثار زوبعةً ضده؛ فهو مصمِّم على بناء مسجد للقرية التي كان أهلها ٢٠٠ نسمة حينئذ! وقد وَجد معارضة قوية!! ثَبت أمامها حتى استسلموا للأمر الواقع مشترطين أن تكون مساحته ٤×٤=١٦م٢ فقط؛ فلا أحد يصلي في القرية إلَّا اثنان! وبما أنَّ المنتصر يفرض شروطه أَبَى عثمان إلَّا مسجداً كبيراً.

اعترضتْه عَقبات وتحديات متنوعة وترغيب وترهيب، ووفقه الله للثبات في هذا المشروع الثاني، فجالَ البلادَ يَجبي التبرعات لإتمام المسجد.

رغم إتمام المسجد كان أبو محمد بظان يتألَّم من الأُمِّية التي تسيطر على عشيرته ١٠٠%، فبدأ يُسوِّق لمشروع تعليم الأطفال في أقرب مدرسة؛ وإذا به يواجِه سَيلاً جديداً من النقد والتأنيب معاتبين له قائلين: (إذا تعلَّم أولادنا فمن سيرعى لنا الأغنام ويفلح بالفدَّان؟!) فعَزَم وتَوكَّل على الله وحَرَّض أهله، قائلاً: “أنا سأبعث أولادي إلى المدرسة، ومن شاء فليبعث أولاده معي”. وانتهت به الأمور إلى أن ينقل أولاده والراغبين في صندوق تراكتور الحراثة الجرار إلى قرية مجاورة.

وجد عثمان أن قومه لا بدَّ لهم مِن توجيه يُحوِّلهم مِن معارضة مشاريعه الإصلاحية إلى معاونته عليها؛ فتواصل مع المفتي الشيخ أحمد رؤوف القادري رحمه الله لإقامة مجلس توجيه أسبوعي، ثم مع المفتي الشيخ خليل الميس حفظه الله، فاستمر هذا المجلس الأسبوعي ٧ سنوات! وكانت لهذه المجالس آثار إيجابية على قومه في ترسيخ الهوية والمفاهيم الإسلامية.

وكونه نَذَر نفسَه للقيام باحتياجات أبناء عشيرته على جميع المستويات؛ اشتهر بـ”المختار”. ويؤكد أهله الأقربون أنه فتح بيته للجميع، وكان لا يرتاح حتى يحقِّق مطلب مَن قصده.

وكما حثَّ الأولاد على دخول المدارس؛ فقد تعلَّم هو أيضاً بعض القراءة وعمره ٣٠ سنة تقريباً، وصار يقرأ القرآن ويكتب اسمه.

بعد فترة وجد بعضَ أولاده يسيئون الظن بأمِّ المؤمنين عائشة وببعض الصحابة رضي الله عنهم متأثرين بشبهات المحيط، فقــــرر إرســــــال ابنه إلى أزهر البقاع ليتعلم الشريعة ويؤمَّ الناس بالمسجد ويوجِّههم، لكنّ ظروفه لم تتح له الاستمرار.

تَألَّم المختار مِن تعثُّر مشروعه لكنه كالعادة لم يستسلم، فكرَّر المحاولة مع ابنه ناصر ليتفاجأ ببطاقة العلامات الفصليَّة موشَّحةً باللون الأحمر: “راسب” فاسودّت الدنيا في عينيه، واستل سكينه عازماً على ذَبحِه! لكن توسلات الابن نجحت في إثنائه، ليحقِّق في الفصل التالي نجاحاً بتفوق! وهو اليوم إمام مسجد وأستاذ حامل لشهادة جامعية في الشريعة وطالب حقوق في السنة الرابعة، وقد وَرِث عن والده مسؤولياته.

وفي مجال الخدمات المدنية للبلدة سعى بين ١٩٨٥ و١٩٩٥م لحَفْر الآبار وتأمين الكهرباء والصرف الصحي وتعبيد الطرقات…

ثم بدأ جولة لمشروعه الجديد: مدرسة لأبناء البلدة، فتكلَّلت مساعيه بالنجاح في عام ٢٠٠٦م باستجابة بيت الزكاة الكويتي، لكن المختار رفض تسلُّم الشيك المالي الأول (350 ألف دولار) احتياطاً لسمعته من الاتهامات، فنَفَّذ صندوق الزكاة في بيروت المشروع تحت إشراف تام من أبي محمد. والمدرسةُ بانتظار أهل الخير لتقديم تكاليف تشغيلها. وقد حصل من السفير التركي على منحتين للدراسة الجامعية.

وبعد 45 سنة من الجهد نتج عنها في الشحيمية: ٤ حَمَلة للشهادات الجامعية (مِن بينهم ابنه وابنته وكنّته) وعشرات حملة الشهادات المتوسطة والثانوية، وقد انمَحت الأمِّيَّة من الأجيال الصاعدة بحمد الله، ونالت إحدى فتيات البلدة المرتبة الأولى 100% على مستوى البقاع في مسابقة عَلَّمَني حَبيبي ﷺ بحفظ 50 حديثاً نبوياً.

كما أرسى أبو محمد معادلة تعايش تفرض احترام وجود عشيرته وخصوصيتِهم الدينية، حتى إن العصابات التي تعيث في المنطقة فساداً كانت تحسب له حساباً رغم الفلتان الأمني! فكان مَرّة في زيارة للبلدة المجاورة، ولما خَرج مِن البيت لم يجد سيارته (المرسيدس القطش ٢٣٠ الخضراء القديمة موديل ١٩٧٦م)، فقد “استعارتها” إحدى العصابات! وهم بالعادة يسرقون السيارة ويَعرِضونها للبيع على صاحبها نفسِه بنصف ثمنها! إنما الغريب هو أنه رجع إلى بيته وإذا بوفد من “الوجهاء” يزوره قائلاً: (يا أبا محمد! سيارتك أمام بيتك، نرجو ألا تسألنا عن القصة، فالشباب لم يعرفوا أنها سيارتك!!).

ومما يلفت الانتباه: هيبته العظيمة لدى نساء القرية اللاتي كنَّ أحياناً يتخفَّين مِن طريقه، وحرصهنّ على حجابهن وحِشمتهن، فيدور أحياناً على القرية بيتاً بيتاً ليطمئن إلى الانضباط الشرعي عند الشباب والشابات.

ويصفه بعض أخص معارفه بأنه شخصية خاصة؛ إذا لَقِيتَه عَرَضاً رأيتَه صارماً حازماً، فإذا جالسته بُرهة لاحظت أنه رجل لطيف حنون رقيق؛ فدمعتُه كانت تسبق كلماته في أوقات الفرح والحزن.

ومن إنسانيته وشهامته أنه استضاف النازحين السوريين في وقت مبكر، رغم عِظم المسؤولية وخصوصية المنطقة.

هكذا أطلق مختار التركمان في لبنان لقومِه إشراقة أمل؛ سطَّر لهم تاريخاً ومهَّد طريقاً، إنه أُمِّيٌّ عَلَّم وعَمَّر وحَرَّرهم مِن الذل، حتى وافته المنية يوم ٢٠/١/٢٠١٤م رحمه الله تعالى، وكانت جنازته وعزاءه محطَّة تؤكِّد أثره، ليكمل الجيل التالي المسيرة بتوفيق الله.

بقلم: الشيخ يوسف القادري

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *