الإبداع الفلسطيني: فوق الأرض وتحتها

مرة جديدة تُسطّر دماء وجهود المسلمين في فلسطين دروساً في الحماسة والإتقان!

ففي “البناء الإيماني” خرّج مخيم غزة ٦٠٠ حافظ صيف ٢٠٠٨، وتضاعف خريجو صيف ٢٠٠٩ إلى ١٢٠٠٠ حافظ وحافظة! ليبلغ حفاظ غزة اليوم قرابة ٢٨٠٠٠ حافظ!

وفي “صناعة القادة” على مختلف المستويات أنجزوا النجاح الذي أبهر العدو قبل الصديق؛ فكلما استهدف الصهاينة أحدهم حل أخوه مكانه ليتفوّق عليه في بعض الخصالِ.

وكذلك في “بناء الكوادر” من مختلف الاختصاصات أعطَوا صورة عملية عن “شمولية اﻹسلام” لجوانب الحياة كافة، في طريقهم إلى التطبيق الشامل للشريعة الذي توجبه الأدبيات الإسلامية؛ كما قال د. الرنتيسي رحمه اللّه في مقال سنة ٢٠٠٣م: (سيعلم بوش عندما نقيم دولة الإسلام في الأرض أننا سنُخْرِج بإذن اللّه الغربَ مِن ظلام الديمقراطية إلى نور الإسلام).

وفي “صناعة التسلح” كانت صواريخ “القسام” ثم “الضفادع البشرية” عنصر الصدمة، مروراً بطائرات الاستطلاع “أبابيل”، وصولاً إلى أول “دبابة” فلسطينية مع حُسن توقيت الإعلان عنها.

أما “الأنفاق” وما أدراك ما الأنفاق فدخلت مجال التطبيق الواسع في غزة التي ضاقت أرضها عن ساكنيها، وانكشفت سماؤها لمراقبيها، وحوصرت براً وجواً وبحراً.

فكانت الأنفاق “شريان الحياة” في باطن الأرض للإمداد الغذائي، و”وَرِيد الموت” لمفاجأة العدو من “مسافة الصفر” وإيقاع الإصابات في صفوفه، والرعب والهستيريا!

لكن “وراء كواليس” هذه المشاهد الرائعة والإنجازات المذهلة “فاتورة عالية” دفعها المجاهدون وأهلهم ومجتمعهم؛ إحدى دفعاتها استشهاد ٧ مِن رجال الأنفاق ارتقَوا غرقاً وهَدْماً نسأل اللّه أن يتقبلهم شهداء، ليتم بهم عدد شهداء الأنفاق ٢٠٠ من الذين يعملون في السِّلم إعداداً لوقت الحرب، ويجاهدون بالمجارف والمحافر تحضيراً للرشاشات والقواذف.

وهنا أيضاً يأبى أهل غزة إلا العزة وإتقان “فن الموت” بعد إبداع “فن الحياة”!

فلم يدفنوا الشهداء على استحياء في جنازات فردية بجنح الليل. ولم نجد نزاعات بين العائلات والقيادة رغم عظم البلاء! بل حَوّلوا المحنة إلى عرس؛ تغني فيه والدة الشهيد نضال عودة “زفوا الشهيد”. وأخت الشهيد محمود بصل تودعه بالورود والزغاريد… ووالدة الشهيد وسيم حسونة تقول: “واللّه لو عاد جريحاً لعالجته وأعدته إلى نفس النفق!”…

ﻷنهم استحضروا البعد الإيماني في قضيتهم وجهادهم وحقيقة الصراع، فوجد كل مسلم منهم باب الجنة حيث توجِّهُه المبادرة إلى أحد الواجبات الشرعية، أو يُرشدُه مَن له عليه -مع الأُخُوَّة- حق الالتزام والطاعة، فالعمل الجماعي أحد عوامل نجاحهم.

وجاء “الاحتضان الشعبي” الذي حَفَّ بجنازتهم (أكثر من ربع مليون مسلم!) مؤكداً النجاح الدعوي الذي حققه دأَبُ وتضحياتُ الدعاة العاملين هناك بتوفيق اللّه.

هذه الدروس الفلسطينية الرائعة لا تعني العصمة، ولا تُغْني أهلها عن التسديد والنصيحة، لكننا نحن أحوج ما نكون لنتعلم منها معادلة: اطلُبوا الموتَ تُوهبْ لكم الحياةُ، ومَن طلبَ الراحةَ تَرَكَ الراحةَ.

إنها إشراقة أمل ونافذة للعمل الإيجابي.

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *