إشراقات الإسلام لا تنطفئ!

مع مرور 22 سنة وصدور 210 أعداد مِن مجلتكم الأثيرة “منبر الداعيات” يسعدنا أن نلتقيكم تحت اسمها الجديد “إشراقات” وقد أضفتم إليها كثيراً مِن الصفحات والموضوعات، محتفظين بصفحات المرأة والأسرة في طياتها باسمها السابق.

وفي التفاتة مِن العناوين إلى المضامين نرجو أن نكون فيما مضى حقَّقنا الأهداف التي يلخِّصها قول النبي صلى الله عليه وسلّم: “يَحْمِلُ هَذَا العِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ” رواه البيهقي وصححه الإمام أحمد.

فأعظم نِعمة امتنّ اللَّه بها على الناس أن هداهم للإيمان، وبعث إليهم سلسلة الرسل العظماء بعقيدة واحدة هي التوحيد وأنار لهم الطريق بالشرائع والأحكام، وأعظم أمانة حَمَّلها للمؤمنين عامة ولأهل العلم خاصة هي حفظ الشريعة: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ) (آل عمران: 187). 

حفظ الشريعة – بحسب الحديث الآنف – من جهات ثلاث:

الأولى: حِفظُها مِن “تَحْرِيفَ الْغَالِينَ” الذين حَمَلهم التشدُّد والغلوّ على التحريف رَغم حبّ بعضهم لهذا الدِّين وحُسنِ نيتهم، كما يحصل مع فئات من أهل الأهواء والمضلَّلين مِن أتباع الفِرَق، أو أشخاص تعرضوا لظلم الأعداء والعملاء والتنكيل البشع وهتك الأعراض… فتجاوزت ردة فعلهم المعيار الشرعي، ورمدت أبصارهم حتى لم يعودوا يميزون بين مَن مَيَّع الدين من مشايخ السلاطين، وبين مَن التزم الحق واتبع سبيل المؤمنين!

الثانية: حفظها مِن “انْتِحَالِ الْمُبْطِلِينَ” الذين استبطنوا العداء لهذا الدين، لكنهم عرفوا أن مواجهته الصريحة على مدى قرون لم تُفلح في القضاء عليه فتحولوا إلى النِّفاق والتقية، وزوروا مفاهيم الإسلام موسِّعين لمعنى بعض المصطلحات والشعارات أكثر مما تستحق بما يتعارض مع أسس وأحكام الإسلام.

الثالثة: حفظ الشريعة مِمن خاض فيها بجهل، وفاته أخذ العلم، أو خاض مسائله الدقيقة دون أهلية وتمكن، فهؤلاء أيضاً يضرون بنقاء الشريعة، وإنْ كان ردهم إلى الحق أيسر، وضررهم دون ضرر السابقين، إلا إن تصدروا مواقع النفوذ والتأثير.

وكما بشَّر هذا الحديث فإن اللَّه يُهيئ للأمة دائماً مَن يتضلَّع بحمل هذا الهم ونيلِ هذا الشرف، وهم المجدِّدون المحافظون على نقاء هذا الدِّين وصفائه مِن أي تحريف أو انتحال أو تأويل يزور حقيقته، كما يحفظونه مِن التقزيم والانتقائية أمام الذين يريدون اختصار أخلاقه في بعض العبادات والأخلاق دون أنظمة الحُكم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد والدعوة. 

ومِن هؤلاء العدول فيما نظن واللَّه حسيبهم:

فارِس الْمَنابر في القرن العشرين الشيخ عبد الحميد كشك رحمه اللَّه الذي يجسد معاني أولئك الخَلَف العدول الذين تحمَّلوا العلم وأدَّوه، وصانوه من كل دخيل، بل تتبع الصحف والمجلات ووسائل الإعلام في زمنه وأخبار مَن حوله ليَذُب عن الإسلام ويفضح المجرمين المعتدين، فكان له الأثر الطيب في شتى البلاد، وكُتب لِخطبه ودروسه الانتشار والقَبول رغم صعوبة التواصل يومها، وتضييق الأنظمة على تداولها والمعاقبة عليها. لكنه بقي رغم السجن والتعذيب حاملاً تلك الأمانة.

وكان للمفكر العملاق الشهيد سيد قطب – تقبَّله اللَّه في الشهداء – فَهْمُه في أسلوب إنعاش الحروف وبثّ الروح فيها، فقال في كتابه دراسات إسلامية: “إن كلماتِنا تَظل عرائسَ من الشّمع، حتى إذا مِتنا في سبيلها دبَّت فيها الرُّوح وكُتِبتْ لها الحياة”.

ومِن أولئك الأستاذ أبو الأعلى المودودي في الهند الذي بث مبادئ الإسلام بحيوية وعملية سعياً وكَتَّل المسلمين سعياً لإعادة تطبيق الإسلام.

والعلامة الشيخ محمد الحامد رحمه اللَّه عالم (حَماة) وبلاد الشام الذي وقف مع الحق في وجه الباطل القادم مِن الحكام المتنفِّذين أو مِن غيرهم، وأدام التعليم والإفتاء وجمع صفوف ومشارب المسلمين. وكان إذا بَلَغه تحريف شيء مِن الأحكام على صفحات الجرائد كتب الرد ليُنشر في الصفحة نفسها، ثم أصدر ذلك في كتابه “ردود على أباطيل”.

وممن امتطَوا صَهوة جهاد الكلمة في عصرنا الشيخ د. وجدي غنيم حفظه اللَّه، فلا يكاد يَدَع فتنة ملْتَبِسة إلا أوضح موقف الإسلام فيها، ولا يترك تآمراً إلا فضحه، ولا ظاهرة تمييعية للمفاهيم الإسلامية إلا وضع لها النِّقاط على الحروف، بآيات القرآن وهدي السنة والسيرة، رغم كونه سائحاً في الأرض في سبيل اللَّه.

وفي مجال التجديد في دعوة غير المسلمين كان جهد الشيخ أحمد ديدات رحمه اللَّه الذي كَرّس حياته للتبشير بهذا الدين، فألف الكتب، وعقد الجلسات والمناظرات، وكشف الحقائق التي يكتمها العارفون عن جماهيرهم، فهدى اللَّه على يديه الكثيرين من غير المسلمين كما مِن المترددين.

وفي المجال نفسه الطبيب الكويتي عبد الرحمن السميط رحمه اللَّه الذي فرَّغ ثلاثين سنة من حياته في عُمق وأطراف إفريقيا، يُغيث ويسعف ويدعو ويعلم ويؤسس المؤسسات، فأسلم على يديه أكثر من 5 ملايين شخص، وتابع: بناء 5700 مسجد، و204 مراكز إسلامية، و840 مدرسة قرآنية، و4 جامعات، و860 مدرسة، و124 مستشفى، وكفالة 95 ألف طالب، و15 ألف يتيم، وتوزيع أكثر من 6 ملايين مصحف!!!

وقائمة المجددين تطول ووسائل التجديد تتنوع، وإنا لنرجو أن يكون جهدنا في مؤسسات جمعية الاتحاد الإسلامي  – في لبنان ومن يعاوننا بالجهد والمال والدعاء مخلصاً ومقبولاً، وأن تكون مجلة “إشراقات” بما تنشر مندَرِجةً في سياق هذه العملية الشريفة الواسعة والفريق الإصلاحي في أمتنا.

وقديماً قال المجدِّد الإمام سعيد النورسي رحمه اللَّه: “رسائل النور لا تنطفئ”، مستيقناً بقاء نور القرآن، رغم الضغوطات التي مارسها الطواغيت على المسلمين، ومنها ما تعرض له هو نفسه مِن أتاتورك (21 محاولة اغتيال، و27 سنة سجن ونفي وإقامة جبرية). واليوم نقتبس منه لنقول: “إشراقات الإسلام لا تنطفئ!”

 

المصدر: مجلّة إشراقات

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *