واقعة “الإسراء” عزيمة تحرير.. وثورة إباء

في شهر رجب الخير -على المشهور1 -وبعد أكثر من 10 أعوام من انطلاقة دعوته حصلت معجزة كبرى لسيد العالمين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حيث أسرى به ربُّه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس في جزء يسير من الليل على مركوب غيبيّ مُذهل السرعة وردت تسميته في الأحاديث الصحيحة: (البُراق).

وهناك أَمَّ سيّدُ الأنبياء وخاتم حلقات سلسلتهم المباركة لهداية البشرية من الضلال ودلالتها إلى منهج الله وغاية وجود الإنسان.. أَمَّهُم جميعاً في الصلاة في جَمْع مبارك حَشَده له ربّه إيذاناً بتقدُّمه عليهم فضلاً ورفعةً وقيادةً، وبياناً بأنّ البشرية من بعده وإلى أن تقوم الساعة ترتبط هدايتُها وسعادتُها بإمامته عليه الصلاة والسلام وقيادة شريعته، وأنّ العلاقة بين المسجدين -الحرام والأقصى -علاقة متلازمة غير منفكّة، وأنّ مسؤوليتها أُمَّتِه عنهما متساوية، وأنّ معراجها للعزّ والسؤدُد والصلة الصادقة بالله وأهليّتها لتلقي بركات الله وتأييده وتمكينه: بقدر محافظتها على المسجد الأقصى الذي منه اختار الله أن يكون معراج نبيه صلى الله عليه وسلّم إلى السموات العلى بعد الإسراء به إليه ليُريَه من آياته الباهرة… وهذا المسجد المبارك هو على أرض لا زالت محور الصراع العالمي بين الخير والشر وبين الهداية الربّانية وفلسفات العذاب البشرية!! فحقاً وصدقاً: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنُرِيَه من آياتنا)!

ثمّ بعد مُضيّ قرون من انبثاق فجر أمّتنا المبارك عَلتْ أمواجُ العدوان عليها بالحروب الصليبية التي انطلقت بحقدها وكراهيتها ووحشيتها من ديار الغرب حتى حطَّتْ على أرض القدس! فعزم حينئذٍ أحدُ أعلامها العظام هو صلاح الدين (يوسف بن أيوب) على أنْ ينهض ويُنهض الأمة معه لتحرير الأقصى حتى قال مرافقُه ومؤرِّخ سيرته (نوادر السلطانية والمحاسن اليُوسُفية) القاضي العالِم ابن شدَّاد: «لو حلف حالفٌ أنه ما أنفق بعد عزمه على الجهاد لتحرير فلسطين ديناراً ولا درهماً إلا في الجهاد لصَدَقَ وبَرّ بيمينه!» وقال: «كان رحمه الله عنده من القدس أمرٌ عظيمٌ لا تحمله الجبال”!!

وكان من قدر الله وحكمته أنّ هذا السلطان المجاهد دخل بيت المقدس محرِّراً في رجب أيضاً، وسجّل المؤرخ المنصف النصراني الغربي المُعْجَب بشخصيته وقيادته ومروءة أخلاقه – Stanley Lane Poole –  شهادتَه فيه قائلاً: (لم يظهر في يوم من الأيام من مروءة السلطان وبُعد هِمّته وكَرَم طبعه ما ظهر يوم تسلَّم المسلمون بيت المقدس)!

لذا كم نهفو ونشتاق إلى ما اشتاقت إليه نفسُ الشاعر الأبيّ:

ليتنــــي كالبُـــراقِ هشَّــتْ لــه 

                                        الآفــاقُ حُبّاً عانقَتْه الرِّحابُ

واحتـواني (الأقصى) بســـجدةِ شُــكْر ٍ

                                           وفـــؤادي مسبِّــحٌ أوّابُ

ولكنْ لأن الله جعل من قوانينه الصارمة أنّ لا تتحقق الأحلام بالأماني ولا بالاحتفالات والأغاني.. وإنما بثورة إباء على العفن في النفوس والسوء في القلوب والظلم في البلاد وعلى الخنوع والذلّ للطغاة، وبعزيمةِ إعدادٍ واستعداد لمهمة التحرير والتطهير لقُدسنا العزيز وفلسطيننا الغالية: عزيمة عبّر عنها الداعية المجاهد الكرّار الشاعر الهـدّار (أحمد محمد الصديق) في أحدث دواوينه المفعم بالعواطف وعمق المعاني وعزة الإيمان – (قناديل) -:

تَلين الصخور الصُّمُّ طوعـاً لعزمنـا 

                                  ونحوَ الأماني الكبار نُشمّرُ

وتسري بنـــا الأشــواقُ حَرَّى نـديّةً 

                                  وفي كل رَوْضٍ للأغاريدِ مِنْبرُ

 

1- على خلاف كبير بين العلماء في سنة وشهر حصول المعجزة ولم يصح أنها في 27 رجب

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *