مُؤرّخ طرابلس الوَفيُّ للصحابة د. عمر عبد السلام تَدْمري (الصحابة في لبنان 11 والأخيرة).

ستكون سلسلتنا هذه “الصحابة في لبنان” نافذة إلى التاريخ المجهول المهمَّش، جُمِعتْ جزئياته الممتعة المدْهشة التي تُجيب على أسئلة كثيرة؛ منها: كيف وصل الإسلام إلى لبنان؟ هل دخل الصحابة والصحابيات إلى هذه الأرض؟ وما أسماؤهم؟ أين نامت التفاصيل الرائعة لتلك الحقبة المضيئة؟

اختَرق سماءَ مدينةِ طرابلس الشامية عام 1940 صراخُ مولود، سُمّي «عمر» لعله يكون له مِن اسمه نصيب، لكن ما لم يكن يعرفه أحد هو أنّه سيبقى طول حياته يصرخ بالحقائق حتى يصير مؤرّخَ طرابلس.

نال الثانويّة الشرعيّة من دار التربية والتعليم الإسلاميّة بطرابلس. ثم نهل من جامعة الأزهر بالقاهرة علومه الجامعيّة حتى نال «دكتوراه الدولة» مع مرتبة الشرف الأولى في التاريخ والحضارة سنة 1976م. وتدرّج في التدريس: إلى عضو اللجنة العليا لرسائل الدكتوراه في الجامعة اللبنانيّة. أمّا شهادات وأوسمة التقدير فكثيرة، منها «وسام المؤرّخ العربي».

نشاطاته: إنه ليس مجرد مدرّس مؤلف أسهم في كتابة التاريخ، بل هو مناضل مشارك في صناعة التاريخ! فقد أسهم في تأسيس «اتحاد خرّيجي جامعة الأزهر في طرابلس والشمال»، و«جمعيّة المحافظة على آثار طرابلس» التي رممت واجهات المدارس المملوكيّة. وقام بمسح لآثار طرابلس فرفع عددها من 30 إلى 163 وأقرت ذلك وزارة الثقافة.

وسنة 1989م أطلق فكرة الاحتفال بمرور (700 عام) على تحرير طرابلس من الفرنج، والاحتفال بمرور (700 عام) على بناء الجامع المنصوري الكبير سنة 1994م؛ فأقيم مهرجان كبير، وأُصدر كتيّب عن الجامع بالعربيّة والإنكليزيّة، وأُعدّ فيلم عن الجامع أيضاً، وأُطلق اسم «السلطان ابن قلاوون» على ساحة النجمة.

وسنة 2001م أطلق فكرة الاحتفال السنوي بتحرير طرابلس من الفرنج في 26 نيسان 1289م، فأُقيمت صلاة الشكر في جامع قلعة طرابس التي بنى أصلَها الصحابيُّ سفيان بن مجيب الأزدي عام 25هـ، وسُمِّي الشارع المحاذي للقلعة باسمه.

وسنة 2002م أطلق فكرة الاحتفال بمرور (100 عام) على بناء ساعة التل في عهد السلطان عبد الحميد الثاني.

أمّا أبحاثه ومؤلفاته أو تحقيقاته لتراث العلماء فهي تذكّر ببركة أوقات السلف الصالح – نسأل الله تعالى أن يكرمه بالإخلاص والقَبول – وقد بلغت 135 كتاباً أحدها تحقيق «تاريخ الإسلام للذهبي» في 52 مجلّداً! ومعظمها حول طرابلس ولبنان ومُدنه وبلاد الشام، أو تحقيق لمؤلفات علماء المنطقة، تُقرأ مفصلة آخر كتابه «الصحابة في لبنان».

وكَتب كذلك المادّة لكثير من الكتب حول طرابلس ومساجدها، ولدليل طرابلس الإلكْتروني: www.tripoli-city.org ولبعض المسرحيّات والأفلام مثل فيلم: «طرابلس درة الشرق». وعاونه ولداه د. غازي ود.خالد في الإعداد والترجمة.

وله محاضرات بثّ فيها خلاصة أبحاثه، حضرتُ إحداها حين كنت طالباً في أزهر البقاع فدهشنا لتحقيقاته وقوة حُجّته!

    كلّ ذلك في كِفّة، وجهده لتوثيق تاريخ الصحابة في لبنان في كفّة! فإذا اطّلعت على كتابيْه في ذلك ظننت أنّه ليس له غيرهما! فالأوّل «لبنان من الفتح الإسلامي حتى سقوط الدولة الأموية»، فيه فتوحات الصحابة مرتبة بحسب المدن والقرى.

والثاني: «الصحابة في لبنان» الصادر سنة 1429هـ، ضمن «موسوعة العلماء والأعلام في تاريخ لبنان وساحل الشام» ذكر فيه 73 صحابياً وصحابية وصلة كل منهم بلبنان فاتحاً أو مرابطاً أو قاضياً أو معلماً…

أمّا عن الجهود التي بذلها د. تدمري لجمع تلك المعلومات فلا تسأل! لكن خذ فكرة عن ذلك، بأنه نَخَل المراجع ذات الصلة بالموضوع في دار الكتب المصرية، وغيرها بالقاهرة، وأفاد مِن مكتبات عربية وأوربية! ومراجعه «تتجاوز الألف مصدر بكثير، منها ما يزيد على المئة مخطوط»، في مقدمتها «تاريخ دمشق» لابن عساكر في 80 مجلداً مخطوطاً وقد قرأه كاملاً 3 مرات! ولما طُبع بدار الفكر في 70 مجلداً قرأه 7 مرات إضافية!! أما «مختصره» لابن منظور في 29 مجلداً و«تهذيبه»، لبدران وعبيد، فقرأهما عدة مرات!

وأصدر د. تدمري من الموسوعة أجزاء أخرى مثل «طبقة التابعين وتابعي التابعين»؛ عرَّف فيه بـ 521 من أعلام لبنان. وقال في مقدمته: «إن الهدف مِن وضع «موسوعتنا» هو التأكيد على عروبة «لبنان» وأصالته العربية والإسلامية، وارتباطه الطبيعي والتاريخي… الذي جسدته حركة الحديث والمحدثين، والمرابطين في ثغوره، والزهاد والعُباد في جباله، وغيرهم من الفقهاء والأدباء والأعيان الذين قصدوه من أقاصي الدنيا.

رغم الحدود الواهية التي اصطنعها المحتل الأجنبي، وإنشاء كيانات مجزّأة على أرض أمتنا الواحدة، وإعلان المستعمر الفرنسي بلسان «الجنرال غورو» قيام «دولة لبنان» عام 1920، ولكن هذا «اللبنان» سيظل جزءاً لا يتجزأ من بلاد الشام، مرتبطاً بالوطن العربي الكبير، وأمته المجيدة في العالم الإسلامي».

وقد أحيا الله بجهوده وكتابه الأخير خاصّة سيرة الصحابة الفاتحين التي كان يجهلها طلاّب العلم فضلاً عن عامّة النّاس. وكان من بَرَكته هذه السلسلة في مجلّتنا الحبيبة «منبر الداعيات»، وخُطب ومحاضرات أدهش مضمونها السامعين.

(إنّما يَعرف الفضلَ لأهل الفضل ذَوُوه) هذه قصّة وفاء الدكتور عمر عبد السلام تدمري للصحابة الكرام. جعله الله في ميزان حسناته، وبارك في عمره وعلمه، وحشره مع النبيّ وآله وصحابته [. خلافاً لمُزوّري مقررات أولادنا الذين أخفَوْا 1300 سنة من روائع دولة الإسلام التي عَظّمت شريعة الله تعالى، وعَدَلت مع كل مواطنيها.

ويبقى السؤال المهم: مَن سيكمل هذا الجهد المبارك في الإعلام والمقرّرات؟!

والسؤال الأهمّ: هل أنتِ مستعدة وأنتَ مستعدّ لشرف إكمال جهود الصحابة لنحافظ على أمانة فتحهم للبنان فيعود إلى عدالة حكم الإسلام ورحمته كما كانت؟ لتكون هذه المقالات مثمرة لا مجرّد قصص للتسلية.

 فمن عنده الهمة لذلك فليتواصل مع كاتب هذه المقالات إما على الجوّال أو على بريده الإلكتروني:    elkadri10@yahoo.com – +9613819357

بقلم: الشيخ يوسف القادري

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *