ربع قرن من العطاء لأن اتحادنا حياة بقلم: أ. علي إبراهيم

ربع قرن من العطاء.. لأن “اتحادنا حياة”

لا تقاس الدعوات بعمرها المجرد فقط، ولا بحجم منتسبيها وجمهورها كذلك، ولكن عمرها هو مزيج لافتٌ من الإنجاز والجمهور، وسنوات العطاء والأثر، فالتيارات المصلحة أرواحٌ شفافة تسري في مجتمعاتنا، وجزءٌ من جهاز المناعة لديها، ربما يخبو دورُها حيناً لمرضٍ ألمَّ بالمجتمع كله، أو لظرفٍ سياسي طاغٍ، ولكنها سرعان ما تعود إلى الفاعلية من جديد، تبني وتعمل من دون جعجعة، ولكنه صمت يُخرج دقيقاً ناصعاً، ويبني جيلاً متوقداً!

لقد اختزل ربع القرن الأخير أحداثاً تاريخيّة، وعصفت فيه رياح شديدة جداً، إنْ في البيئة اللبنانية، أو في محيطنا العربي القريب، وهي أحداثٌ غيرت وما زالت تغير شكل المنطقة، والاصطفافات فيها، ودفعت الكثير إلى الانقلاب من النقيض إلى النقيض، فتبدلت المواقف، وانقلبت العداوات، وتاهت البوصلة بين أحداث في الداخل ومعارك كبرى في الخارج، ووسط هذا الاضطراب الكبير، والاصطفافات التي أحدثت شروخاً غائرة، كانت الاتحاد تحافظ على مواقفها الراسخة، وتَنْأَى بنفسها عن كل ما يجري من فوضى، ليس انسحاباً من المشهد وسلبية متراجعة أبداً، بل هو الثبات على المواقف والاحتكام للشرع في كل مفصل وزاوية، والوقوف مع الحق أينما كان موقعه وموضعه، وكان لسان الحال في هذه السنوات أن لا نعطي طاغية شق كلمة فيها مديح أو تزلف.

ومع أهمية هذا الثبات في زمن التغيير، فلا يمكننا حصر هذه السنوات الطويلة الممتدة في جانب هذه المواقف فقط، على أهميتها وتمايزها عن الكثيرين، فقد كانت جزءًا رئيسًا من قدرة جمعية الاتحاد الإسلامي على التعامل مع المستجدات والظروف بقدرٍ لا يضيّع الهوية، ولا يفرط بالثوابت والأسس.

وفي سياق الإنجازات النوعية خلال مسيرة الدعوة، سجلت الجمعية أسبقية في عدد من الميادين، وهي مجالات من العمل للإسلام ما زالت تُعتبر رائدته في لبنان، ومَنْ شَقَّ طريقَه الأول وعمل على تأسيس بنيانه، وفي مقدمتها افتتاح دور القرآن الكريم، وهي المؤسسة المتخصِّصة في تعليم وتحفيظ كتاب الله تعالى، لمختلف الشرائح والأعمار، التي أطلقت مشاريع خاصة بالأطفال وبالتحفيظ، أسهمت في نشر ثقافة حفظ القرآن الكريم وعلومه، مع الانضباط الكبير في شروط الإجازة والتلقين، والشروط الشرعية لراحة الطالب/ة، هذه الإنجازات الكبيرة تترجم اليوم بشبكة مميزة من الدور القرآنية، تمتد من عكار إلى صيدا، خرّجت العشرات من الحفظة المتقنين، واستفاد من إصداراتها القرآنية عشرات الآلاف في كل لبنان، وهي مؤسسة فتية يمكنها تسجيل الكثير في السنوات القادمة.

وفي سياق الإنجاز النوعي، كان إفتتاح المنتدى للتعريف بالإسلام نقلةً نوعية أخرى في دعوة غير المسلمين، في قلب العاصمة بيروت، إنْ من حيث التخصص والأسلوب والطرح، أو مروحة اللغات التي يسوق فيها المنتدى إصداراته وإنتاجاته، وهي جهودٌ أثمرت هداية العشرات إلى دين الله تعالى، في سياق حضاري متميز ودعوة مفعمة بالمعاني الجليلة والقيم الراقية، ومما يميز هذه المؤسسة برأيي عدم حصر عملها في شريحة بعينها، وهو ما تراه في المهتدين، فمنهم المتخصص البارع صاحب الشهادات الأكاديمية العالية، ومنهم العمال والعاملات البسطاء، وما يجمع بينهم إرادة إيصال هداية رب العالمين لكل شخص وفئة.

ولن أختم هذا التطواف الجميل من دون المرور على مدرسة الحياة الدولية، تلك المؤسسة الناشئة التي خرجت من رحم هذه الجمعية، وبدأت تسطر إنجازات مميزة، من خلال التوأمة بين أحدث أساليب التعليم وبين قيم الإسلام وتعاليمه، ما يقدم نموذجًا نوعيًا لمدرسة تحاكي العصر وتقدم العلوم بثوب متطور فريد، نافعٍ للطلاب ومنمّ لشخصياتهم وقدراتهم، وفي الوقت نفسه لا تفرط بأيّ من مبادئنا، فتنشئ جيلًا رائدًا قادرًا على إحداث نهضة حضارية في بيئته ومجتمعه.

ويحضرني في الصدد قول الأستاذ محمد أحمد الراشد المفكر الحركي الكبير: “أظهر المعاني التي نود توريثها: أن الدعوة ليست (حزبًا سياسيًا) مهما كانت السياسة شغلًا رئيسيًا لنا، بل نحن “روح تسري في اﻷمة” تريد إحياءها بـ “الإيمان” و”القرآن”. وهذا الاقتباس من كتاب مقدمات الوعــــــي التطويري، ينــــــوِّه بأن دعوتنــــــا ليست إلا ترجمــــــةً لهــــــذه الــــــرّوح العلويــــــة، التي تعمــــــل على أسس ربــــــــانية صرفة.

هذه الروح التي تسري في البيئة المحيطة بنا، هي المحرك الأساس لعمل الاتحاد في كل مفصل وغاية، فالدعوة إلى الله وإلى منهجه القويم هي الهدف الأسمى الكامن خلف كل عمل ومؤسسة وغاية، وهي المحرك الذي يدفع عجلة المنتدى الشبابي وعالم الفرقان، وهي المنهج الذي يتجلى في عمل حنايا، وفي سبيل توحيد الكلمة كانت المشاركة في الهيئات والملتقيات العلمائية على اختلافها وتنوعها، ولتكون الدعوة على بصيرة كانت اللجان المتخصصة في كل مفصل وميدان.

لا أمجِّد في هذه الكلمات أو أتناسى أخطاء وهَنات هُنا وهُناك، فنحن بشر والبشر تخطئ وتصيب، ولكنني أسلّط الضوء على مكامن النجاح والتميز في مسيرة رافقتُ فيها الجمعية لأكثر من خمسة عشَرَ عاماً، وليكون “اليوبيل الفضي” نقطة انطلاق جديدة لمزيدٍ من التطور والإنجاز، وتثبيت للنهج في دنيا التزلف والتغيير.

وأختم: لأن الاتحاد أمر ربانيّ، ولأن الاتحاد هدف عمليّ، ولأن الاتحاد شعلة من نور وعمل، سيكون اتحادنا حياة، وسيظل للاتحاد بصمة نوعية، وأثرٌ متمايز، في كل ميدان وساحة، معتصمين بكتاب الله تعالى، ومهتدين بسنّة نبيه، سيمضي الركب على بركة الله وفي معيته.

بقلم: أ. علي إبراهيم
مسؤول المكتب الإعلامي في جمعية الاتحاد الإسلامي – لبنان

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *