المَثلُ النبويّ: بين المؤمن والنَّحلة…

ضَرْبُ الأمثالِ مِن أساليب القرآن الكريم ومِن هَدْي النبي صلى الله عليه وسلم في التربية والتعليم؛ لتوضيح المعاني ولتقريبها إلى الأذهان.

وقد حَرص عدد مِن العلماء قديماً وحديثاً على جَمْع “أمثال القرآن” و”أمثال الحديث”. بل قد أَفردَ العلماء بعض تلك الأمثال بالشرح والتأليف.

ومِنْ أجمل تلك الأمثال النبوية قولُ رسول الله [: «وَالَّذِي نَفْسُ ‏مُحَمَّدٍ ‏‏بِيَدِهِ إِنَّ مَثَلَ الْمُؤْمِنِ ‏لَكَمَثَلِ النَّحْلَةِ؛ أَكَلَتْ طَيِّباً، وَوَضَعَتْ طَيِّباً، وَوَقَعَتْ فَلَمْ تَكْسِر ولم تُفْسِدْ» رواه أحمد.

فالمؤمن الحَقُّ ؛عليه أن يكون كالنَّحلة في صفاتها الجميلة: لا يأكل إلا الحلال الطيب، ولا يبحث إلا عن الزهر والجمال، ولا يحطُّ إلا على الخير. ورَغْمَ أنه يَرَى ويَعرِف مَوَاطِن اللغو والفساد فإنه يتجنبها ولا ينشغل بها عن مُهمته… لِذا فهو يُنتج للمجتمع الخير الطيِّب المادِّي والمعنوي؛ كالنحلة: كلُّ ما يخرج منها مفيد وشفاء؛ العسل والشمع وحبوب اللقاح. وحتى سمُّها له فوائد ويستخدمه الأطباء في الأدوية والعلاج.

والمؤمن حيثما حَلَّ فإنه يُصلِحُ، ويُعمِّم الخيرَ الذي جَمعه مِن أماكن متعددة، كما أنَّ النحلة في جولتها لِجَنْيِ الرحيق تحمل في قوائمها حُبيبات اللقاح فتلقِّح الأزهار والأشجار التي تتجول بينها،خفيفة الظل دون أن تُفسِدها أو تُخَرِّبها وتَكسِر أغصانَها، وكذا المسلم نَفّاع لنفسه ولغيره، يألَف ويؤلَف.

وكما أنَّ النحل فَرْد متعاون وعضو اجتماعي في مَملكةٍ يسعى أفرادها لتحقيق أكبر إنتاج وأعظم الإنجازات، ويتقاسمون المهمات بناء على سُلَّم التدرُّج التنظيمي والوظيفي؛ فتمكث الشغالة في البداية نحو ثلاثة أسابيع تنظف الخلايا، وتأخذ الرحيق وحبوب اللقاح من النحل العائد للخلية من الحقول، وتغذي عليه اليرقات، وتبني أشكالاً سداسية من الشمع، وتنظم درجة الحرارة والرطوبة في الخلية، وتحرس مدخلها. ثم في النصف الثاني من حياتها تعمل الشغالة على جمع الغذاء والبحث خارج الخلية عن الرحيق وحبوب اللقاح والماء وكل ما يضمن استمرار الحياة لأهلها.

فكلُّ مسلم يجب أن يكون عاملاً ضمن فريق لِخِدمة دينِه ونفسِه وازدهار مجتمعه.

وإنَّ مما يعرفه مربُّو النحل أنه لا يمكن أن يعيش ويستمر بلا قيادة، بل هو لا يَخضعُ إلا لقيادة موحَّدة فيها المؤهلات والموهبة الربانية؛ فالمَلِكة لها غريزة خاصة ألهَمها الله إياها، وخِلْقَةٌ جسدية مميزة. فكذلك المسلم لا بد له من قيادة تتصف بالمؤهلات الإيمانية والشخصية…

وكلُّ مسلم ينبغي أن يَتنقَّل بِجدٍّ بحثاً عن الرزق والإصلاح والكسب الدعوي، فالنحلة مَضرب الْمَثَل في الحيوية والهِمَّة؛ تطير يومياً عشرات الكيلومترات سعياً لتحقيق الهدف، وتُخطِّط للمستقبل بغريزتها؛ فتَتْعَب في الصيف بعيدة عن العجز والخمول، استعداداً لموسم معوِّقات الشتاء مِن الأمطار والبرد، وحينها تستريح وتستفيد هي وصغارها وبنو آدم مِن العسل الذي جَنَتْه.

ومِنْ حُسن استثمارها للموارد، أنها تصنع الخلايا السداسية بإتقان لتكسب كل جزء من مساحة وحجم الخلية، كما هو الشكل الأكثر اقتصادية من منظور الطاقة!

ومِن فاعليتها وإدارتها لوقت فريقها أنها تُفرز على الزهرة التي جَنَت رحيقها مادةً خاصةً فتَعرفُ شريكاتها أنَّ هذه الزهرة منزوعة الرحيق ولا تكرر الجهد!

وهي تستعمل كل حواسِّها “الشم والبصر” لتستكشف “فِقْه الواقع” ولتتعامل معه بدقة.

ومِن حكمة وتوازن المسلم أنه سهل مع إخوانه شديد على أعدائه، كالنحلة لا تَعتدِي، لكنها تتفانى في الدفاع عن مملكتها وثروتها ولو كان عدوها أقوى وأكبر منها كالدَّبُّور، فهي تَتَكَتَّل عليه فتحرقه بحرارة رَفرفةِ أجنحتها.

أمَّا إذا هاجمها الإنسان والحيوان فتلسعهما بإبرتها، فتَتمزق أحشاؤها وتموت هي أيضاً تفدي أهلها بعملية استشهادية.

وأخيراً فما علاقة الحديث بالأمل؟ وما قصته وسبب وروده؟

الجواب نجده في روايته في مسند البزار: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَظْهَرَ الْفُحْشُ، وَقَطِيعَةُ الرَّحِمِ، وَسُوءُ الْجِوَارِ، وَيُخَوَّنَ الأَمِينُ”. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَكَيْفَ الْمُؤْمِنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: “كَالنَّحْلَةِ؛ وَقَعَتْ فَلَمْ تَكْسِرْ، وَأَكلَتْ فَلَمْ تُفْسِدْ، وَوَضَعَتْ طِيبًا».

نَجِد أن بداية الحديث تحكي أنواعاً مِن فساد آخِر الزمان: الخُلقي والأسَري والاجتماعي والإعلامي والإداري! وأن ذلك الفساد يَظهر ويَنتشر علناً بلا حياء، بل يصير عادياً! مما أثار فضول أحد الصحابة أن يسأل عن حال المؤمن في هذه البيئة الموبوءة التي يكثر فيها الشر؟! ليجيء الجواب بأن المؤمن في ذلك الزمان كالنحلة… في صفاتها الجميلة التي سبق شرحها.

فأَيُّ إيجابية هذه التي يتمتع بها المؤمن؛ ولو اضطر أن يسير بعكس التيار!

كلُّ ما سبق وغيرُه من المعجزات الإلهية والمخلوقات العجيبة يفسِّر سبب لَفْت القرآنِ الكريم والسنةِ النبوية نَظر واهتمامَ المسلم إلى “عالَم النحل”؛ حتى سُمِّيَتْ إحدى السور بـ [سورة النحل] وفيها الآيتان ٦٨ و٦٩: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }.

فهل كُلٌّ منا كالنحلة في الإيجابية والإنجاز والعمل ضمن فريق لتحقيق هدف موحََّد بِجِدٍّ وفاعلية وبحكمة ورَوِيَّة؛ كما أراد لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

بقلم: الشيخ يوسف القادري

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *